في الاستثمار، لا تطمئن طويلًا إلى الفارق الذي يفصلك عن منافسك اليوم؛ فما يمنحك أفضلية عليه الآن، قد لا يمنحك الأفضلية ذاتها غدًا.
فالأسواق لا تحفظ لأحد موقعه، والمنافس لا يبقى بالضرورة بالصورة التي عرفته بها، والميزة التنافسية مهما بلغت قوتها لا ينبغي التعامل معها باعتبارها ضمانًا دائمًا للتفوق. ولعل أخطر ما يصيب المستثمر أن تتحول أفضلية اليوم إلى طمأنينة، ثم تتحول الطمأنينة إلى بطء، بينما السوق والمنافس يتحركان.
في الإدارة الاستراتيجية، يوضح منظور الموارد (Resource-Based View) أن الموارد الاستراتيجية موزعة بصورة غير متجانسة بين المنشآت، وأن بعض الموارد يمكن أن تكون مصدرًا لميزة تنافسية مستدامة عندما تتوافر فيها خصائص محددة، من بينها القيمة والندرة وصعوبة التقليد وعدم وجود بدائل استراتيجية مكافئة لها. وهذا يعني أن امتلاك موارد أكثر لا يكفي وحده؛ فالأهمية تكمن في طبيعة هذه الموارد، وفي قدرتها على صناعة قيمة يصعب على المنافسين محاكاتها.
لكن هذا جانب واحد من الصورة؛ فالمنافس الذي يبدو أقل إمكانات اليوم ليس كيانًا ثابتًا. موارده قد تتغير، وقدراته قد تتطور، وقد يدخل إليه تمويل جديد، أو يستقطب معرفة وكفاءات، أو يعقد تحالفًا، أو يتبنى تقنية، أو يعيد تشكيل نموذج أعماله بطريقة تقلص جزءًا من الفارق الذي كنت تراه بينكما.
وهنا تظهر أهمية «القدرات الديناميكية» (Dynamic Capabilities)، التي قدّم إطارها ديفيد تيس وغاري بيسانو وإيمي شوين، وتتمحور حول قدرة المنشأة على دمج وبناء وإعادة تشكيل كفاءاتها الداخلية والخارجية بما يمكّنها من التعامل مع البيئات سريعة التغير. وبذلك لا تصبح قراءة المنافس محصورة فيما يملكه الآن، بل تمتد إلى قدرته على تطوير ما يملك وإعادة تشكيله.
وهذا تحديدًا ما يجعل الاطمئنان إلى المنافس مخاطرة في التفكير الاستراتيجي.
فأدبيات «الديناميكيات التنافسية» (Competitive Dynamics) تنظر إلى المنافسة بوصفها سلسلة من الأفعال والاستجابات بين الشركات، وتدرس سلوك المنافسين وتحركاتهم وردود أفعالهم وتأثير ذلك في مواقعهم وأدائهم. ومن هنا يصبح المنافس جزءًا من مشهد متحرك، لا رقمًا ثابتًا في دراسة سوق أُنجزت ثم أُغلقت.
ولهذا فإن المستثمر الحصيف لا يراقب فقط مقدار تفوقه، بل يراقب عمر هذا التفوق. فالمستثمر الذكي لا ينتظر حتى يصبح منافسه مساويًا له ليعيد حساباته، ولا يقيس الخطر بحجم المنافس وحده، بل بقدرته على التطور، وسرعة استجابته، واتجاه حركته، وما إذا كان الفارق بينهما يتسع أم يضيق.
لذلك، لا تجعل وفرة إمكاناتك سببًا للاستراحة، ولا محدودية إمكانات منافسك سببًا لإسقاطه من حسابات الغد. حافظ على ذلك القدر من القلق الذي يجعلك تطور ميزتك قبل أن يضطرّك منافسك إلى تطويرها..

