حين تستضيف جدة بطولة رياضية بحجم كأس الخليج فإن الحكاية لا تتوقف عند حدود المستطيل الأخضر ولا تنتهي مع صافرة الحكم بل تمتد إلى الشوارع والساحات والوجهات السياحية لتصنع المدينة مشهدًا استثنائيًا يجمع بين شغف كرة القدم وثراء المكان وجمال الثقافة.
الحضور الجماهيري اللافت في مباريات البطولة وان لم يكن على القدر المطلوب في بعض المباريات إلا انه عكس حجم المحبة التي تحملها الجماهير الخليجية لكرة القدم حيث تحولت المدرجات إلى لوحة من الأعلام والأهازيج والهتافات في أجواء عكست روح المنافسة الرياضية والتقارب بين أبناء الخليج وجعلت من البطولة مناسبة تتجاوز نتائج المباريات إلى صناعة ذكريات جميلة للجماهير والزوار.
وفي قلب جدة جاءت منطقة جدة التاريخية «البلد» لتضيف بُعدًا آخر لهذا المشهد. فبين الرواشين العريقة والمباني التاريخية والأزقة التي تختزن ذاكرة المدينة عاش الزوار أجواءً مختلفة امتزج فيها عبق التاريخ بالحاضر وسط فعاليات متنوعة وأجواء احتفالية جذبت الجماهير وجعلت من «البلد» وجهة نابضة بالحياة.
وكان من اللافت أن يجد المشجع الخليجي في جدة أكثر من مباراة ينتظرها … وجد مدينة ترحب به وفعاليات تمنحه تجربة متكاملة ومكانًا تاريخيًا يروي قصة جدة وأصالتها إلى جانب المطاعم والمقاهي والأنشطة التي جعلت من أيام البطولة مناسبة اجتماعية وسياحية بقدر ما هي رياضية.
إن نجاح أي بطولة لا يقاس فقط بما يحدث داخل الملاعب بل بما تتركه من أثر خارجها وكأس الخليج في جدة قدم نموذجًا جميلًا لكيف يمكن للرياضة أن تكون جسرًا للتواصل وأن تفتح نافذة للتعريف بالمدينة وتاريخها وثقافتها.
جدة في هذه المناسبة لم تكن مجرد مدينة تستضيف مباريات بل كانت جزءًا من الحدث بجماهيرها وفعالياتها ووجهاتها و«البلد» التي أثبتت أن التاريخ حين يلتقي بالحاضر يمكن أن يصنع أجواءً لا تُنسى.
وفي نهاية المشهد لا تبدو جدة وكأنها احتضنت بطولة رياضية عابرة بل بدت وكأنها كتبت فصلًا جديدًا في ذاكرة الخليج .. فصلًا امتزجت فيه المنافسة بالفرح .. والهتاف باللقاء .. والرياضة بالتاريخ والثقافة.
ففي المدرجات ارتفعت أصوات الجماهير وفي شوارع جدة تحركت مظاهر الاحتفال وفي «البلد» كان التاريخ يفتح أبوابه لجيل جديد من الزوار لتتجسد صورة جميلة لمدينة تعرف كيف تستقبل ضيوفها وكيف تحول المناسبات الكبرى إلى تجارب تبقى في الذاكرة.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن الجماهير لم تأتِ إلى جدة لمشاهدة كرة القدم فقط بل عاشت جدة بكل تفاصيلها مشت في أزقة «البلد» وتأملت رواشينها والتقطت صورها وتذوقت روح المكان ثم عادت وهي تحمل معها شيئًا من ذاكرة هذه المدينة العريقة.
وهكذا ستبقى كأس الخليج في جدة أكثر من نتائج وأهداف ومباريات ستبقى حكاية مدينة جمعت الأشقاء واحتفت بالجماهير وفتحت ذراعيها للخليج لتقول للعالم إن جدة حين تستقبل حدثًا كبيرًا لا تكتفي بأن تكون مسرحًا له… بل تمنحه روحها وتترك في ذاكرة ضيوفها أثرًا لا تغلقه صافرة النهاية.
جدة لم تكن فقط عروس البحر الأحمر في هذه الأيام… كانت عروس الخليج وكانت «البلد» قلب الحكاية.

