تحوّل المفهوم التقليدي للتهديدات
في الجغرافيا السياسية للمضائق البحرية، لا يُنظر إلى خليج عدن بوصفه ممراً مائياً يربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي فحسب، بل باعتباره فضاءً إستراتيجياً تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والتجارة والطاقة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فهذا الخليج يمثّل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، ومنفذاً رئيساً لعبور إمدادات الطاقة، كما يشكّل في الوقت ذاته منطقة تماس جيوسياسية بين بيئتين أمنيتين تعانيان من الهشاشة وعدم الاستقرار، هما جنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي.
وعلى مدى سنوات طويلة جرى التعامل مع الأزمتين اليمنية والصومالية باعتبارهما مسارين منفصلين تحكمهما ظروف داخلية وديناميات إقليمية مختلفة. ففي حين ارتبطت الأزمة اليمنية بتداعيات الحرب الأهلية وتدخلات القوى الإقليمية، ارتبطت الأزمة الصومالية بإشكاليات بناء الدولة ومواجهة الحركات المتطرفة. غير أنّ التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة كشفت عن تزايد مؤشرات التعاون والتنسيق بين جماعة الحوثي في اليمن وحركة الشباب الصومالية، وهو ما يفرض إعادة النظر في التصورات التقليدية للتهديدات الأمنية في هذه المنطقة الحيوية.
وتكمن أهمية هذا التطور في كونه يعكس تحوّلاً لافتاً في طبيعة التحالفات بين الفاعلين المسلحين من غير الدول. فالعلاقة بين جماعة ذات مرجعية زيدية عقائدية، وحركة سلفية جهادية مرتبطة بتنظيم القاعدة، تبدو للوهلة الأولى علاقة مستبعدة من الناحية الأيديولوجية. إلا أنّ متغيرات الصراع المعاصر أثبتت أن المصالح العملياتية والاحتياجات اللوجستية قد تتجاوز الخلافات الفكرية والعقائدية عندما يتعلق الأمر بتحقيق المكاسب الميدانية وتعزيز القدرة على البقاء والمناورة.
ومن هذا المنطلق، فإنّ دراسة أبعاد التقارب بين الحوثيين وحركة الشباب الصومالية لا تقتصر على فهم طبيعة العلاقة بين تنظيمين مسلحين، بل تمتد إلى تحليل التداعيات الأمنية والعسكرية والاقتصادية التي قد تنعكس على أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وعلى استقرار اليمن والصومال، وعلى حركة التجارة الدولية التي تمر عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
أولاً: بيئة التقارب وأبعاد البراغماتية العابرة للأيديولوجيا
تُظهر تجارب النزاعات المعاصرة أن الجماعات المسلحة غير الحكومية غالباً ما تبني علاقاتها وفقاً لمنطق المصالح أكثر من انتمائها إلى أطر أيديولوجية جامدة. وفي هذا السياق يمكن فهم التقارب بين جماعة الحوثي وحركة الشباب بوصفه شكلاً من أشكال التفاعل البراغماتي الذي فرضته متطلبات البقاء والاحتياجات المتبادلة للطرفين.
فكلا التنظيمين يواجه ضغوطاً أمنية متزايدة، وعقوبات دولية متفاوتة، وقيوداً على مصادر التمويل والتسليح. كما أنّ كليهما يسعى إلى المحافظة على قدرته العملياتية وتوسيع هامش حركته في مواجهة الضغوط المحلية والإقليمية. ومن ثمّ فإنّ المصالح المشتركة توفر أرضية مناسبة لنشوء أشكال مختلفة من التعاون، بغض النظر عن التباين العقائدي بينهما.
ويبرز البعد المالي في مقدمة العوامل التي تدفع الطرفين نحو هذا النوع من العلاقات. فحركة الشباب تمكّنت خلال السنوات الماضية من إنشاء منظومات مالية محلية تعتمد على الجبايات والإتاوات والسيطرة على بعض الأنشطة الاقتصادية وشبكات التجارة غير المشروعة، الأمر الذي مكّنها من المحافظة على تدفقات نقدية مستمرة. وفي المقابل، يواجه الحوثيون ضغوطاً مالية متنامية نتيجة العقوبات والإجراءات الرامية إلى تقييد مصادر التمويل والتسليح. وفي ضوء ذلك يصبح التعاون المالي أو تبادل المنافع الاقتصادية خياراً عملياً للطرفين في بيئة تتسم بضعف الرقابة واتساع النشاط غير المشروع عبر الحدود.
ولا يقتصر الأمر على الجانب المالي؛ إذ تشير طبيعة النزاعات الحديثة إلى تزايد أهمية نقل المعرفة العسكرية والخبرات العملياتية مقارنة بالتركيز التقليدي على تهريب السلاح فقط. فقد اكتسب الحوثيون خلال سنوات الحرب في اليمن خبرات واسعة في مجال تشغيل الطائرات المسيّرة، وتطوير أساليب الحرب غير النظامية، واستخدام العبوات الناسفة، وتوظيف الزوارق السريعة في العمليات البحرية. وتُمثل هذه الخبرات قيمة إستراتيجية كبيرة لأي تنظيم مسلح يسعى إلى تطوير قدراته العملياتية في مواجهة خصومه.
كما يُضاف إلى ذلك عامل بالغ الأهمية يتمثل في شبكات التهريب البحرية الممتدة بين السواحل اليمنية والقرن الأفريقي. فالاتساع الجغرافي للسواحل، وضعف القدرات الرقابية في بعض المناطق، وتشابك المصالح الاقتصادية غير المشروعة، كلها عوامل أسهمت في نشوء بيئة مواتية لعمليات التهريب بمختلف أشكالها. ولم تعد هذه الشبكات مقتصرة على نقل الأسلحة فحسب، بل باتت تشمل نقل الأفراد والمواد المزدوجة الاستخدام والمخدرات والسلع المحظورة، بما يخلق اقتصاداً موازياً تستفيد منه جماعات مسلحة متعددة لتحقيق أهدافها السياسية والعسكرية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إنّ التقارب بين الحوثيين وحركة الشباب يمثل نموذجاً متقدماً لما يمكن تسميته بالتحالفات البراغماتية العابرة للأيديولوجيا، وهي تحالفات لا تستند إلى مشروع فكري مشترك بقدر ما تستند إلى تبادل المنافع وتحقيق المصالح المتبادلة.
ثانياً: انعكاسات التقارب على الأزمة اليمنية والأمن الإقليمي
يحمل هذا التقارب المحتمل انعكاسات مهمة على مسار الأزمة اليمنية وعلى البيئة الأمنية في الإقليم بصورة أوسع. فاستمرار تدفق الموارد والخبرات عبر شبكات عابرة للحدود من شأنه أن يُطيل أمد الصراع ويزيد من تعقيد جهود التسوية السياسية.
فمن الناحية العملياتية، يمنح الانفتاح على السواحل المقابلة في القرن الأفريقي جماعة الحوثي هامشاً أوسع للحركة والمناورة. فبدلاً من الاعتماد على مسارات إمداد محدودة أو خاضعة للرقابة، يمكن أن يوفر الامتداد البحري فضاءات إضافية لعمليات النقل والتمويل والاتصال، بما يعزز قدرة الجماعة على التكيف مع الضغوط العسكرية والأمنية المفروضة عليها.
كما أنّ هذا الواقع يفرض أعباء إضافية على الحكومة اليمنية الشرعية والقوات المكلفة بحماية السواحل والمنافذ البحرية. فامتداد السواحل اليمنية على مسافات طويلة، والتحديات المرتبطة بضعف الإمكانات والموارد، يجعلان من عملية ضبط حركة التهريب ومراقبة الممرات البحرية مهمة معقدة تتجاوز القدرات الوطنية في كثير من الأحيان. ومع تزايد احتمالات التعاون بين الفاعلين المسلحين على ضفتي الخليج، يصبح من الصعب الفصل بين الأمن الداخلي اليمني والأمن البحري الإقليمي.
وتتجاوز تداعيات هذا الأمر حدود اليمن لتشمل الأمن القومي لدول الخليج العربي ودول الجوار الإقليمي. فتعزيز قدرات الجماعات المسلحة في محيط البحر الأحمر وخليج عدن يرفع من مستوى المخاطر المرتبطة بأمن الممرات البحرية والبنى التحتية الحيوية ومشروعات الطاقة والتجارة. كما أنّ طبيعة هذه الجماعات وقدرتها على استغلال الفراغات الأمنية تجعل من الصعب التنبؤ بنطاق التهديدات المستقبلية أو احتوائها ضمن حدود جغرافية محددة.
ثالثاً: عسكرة الممرات الملاحية وتداعياتها على التجارة العالمية
تُعد منطقة البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب من أكثر المناطق حساسية في منظومة التجارة الدولية المعاصرة. وتنبع هذه الأهمية من موقعها الذي يربط الأسواق الآسيوية والأفريقية والأوروبية، ومن كونها ممراً رئيساً لعبور نسبة مؤثرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وفي هذا السياق، فإن أي تنسيق أو تعاون بين جماعات مسلحة على جانبي الخليج من شأنه أن يعيد تشكيل البيئة الأمنية البحرية بصورة تثير قلق المجتمع الدولي. فبدلاً من مواجهة مصدر تهديد واحد، قد يجد الفاعلون الدوليون أنفسهم أمام شبكة متداخلة من المخاطر تنطلق من الضفتين اليمنية والصومالية في آن واحد.
ويبرز هنا خطر استهداف السفن التجارية أو تهديد حرية الملاحة. فكلما ازدادت قدرة الجماعات المسلحة على الحصول على التقنيات الحديثة، سواء في مجال الطائرات المسيّرة أو الوسائط البحرية الهجومية أو وسائل الاستطلاع، ارتفع مستوى المخاطر التي تواجه حركة النقل البحري. ولا يقتصر تأثير ذلك على الجوانب الأمنية فحسب، بل يمتد مباشرة إلى الاقتصاد العالمي عبر زيادة تكاليف التأمين والشحن وإعادة توجيه خطوط الملاحة نحو مسارات أطول وأكثر تكلفة.
وقد أظهرت التجارب الأخيرة في البحر الأحمر كيف يمكن للتهديدات الأمنية المحدودة نسبياً أن تُحدث آثاراً واسعة النطاق على سلاسل الإمداد الدولية. فارتفاع المخاطر يدفع شركات الشحن إلى اتخاذ إجراءات احترازية مكلفة، كما يفرض على الشركات العالمية إعادة حساباتها الاقتصادية والتشغيلية في ما يتعلق بمسارات النقل وتوقيتات التسليم.
ومن ناحية أخرى، يؤدي تعدد مصادر التهديد إلى استنزاف الموارد البحرية الدولية. فالقوات البحرية العاملة في المنطقة، سواء ضمن التحالفات الدولية أو المبادرات الأوروبية والإقليمية، تواجه تحدياً متزايداً يتمثل في تغطية مساحة بحرية واسعة تمتد من البحر الأحمر إلى خليج عدن والمحيط الهندي. ومع اتساع نطاق التهديدات وتعدد الفاعلين المسلحين، تصبح الحاجة أكبر إلى تعزيز القدرات الاستخباراتية والاستطلاعية والتنسيق متعدد الأطراف.
رابعاً: القرن الأفريقي واتساع دائرة عدم الاستقرار
على الضفة الأخرى من خليج عدن، قد تكون تداعيات هذا التقارب أكثر خطورة على الدول الهشة في القرن الأفريقي، وفي مقدمتها الصومال. فحصول حركة الشباب على خبرات أو تقنيات عسكرية متطورة من شأنه أن يؤثر بصورة مباشرة في ميزان القوة الميداني بينها وبين الحكومة الصومالية.
فعلى الرغم من النجاحات التي حققتها الحكومة الصومالية خلال السنوات الأخيرة بدعم من الشركاء الدوليين وقوات دعم السلام التابعة للاتحاد الأفريقي، فإنّ حركة الشباب ما تزال تملك القدرة على التكيّف مع المتغيرات الميدانية وإعادة بناء شبكاتها العملياتية. ومن ثمّ فإنّ أي تطوير نوعي في قدراتها القتالية يمكن أن يبطئ جهود مكافحة الإرهاب ويُطيل أمد الصراع.
كما أنّ انعكاسات هذا التطور لا تقف عند الحدود الصومالية. فمن المعروف أن الحركة سعت تاريخياً إلى توسيع نطاق عملياتها إلى دول الجوار، ولا سيما كينيا وإثيوبيا وجيبوتي. وبالتالي فإنّ امتلاك أدوات هجومية أكثر تطوراً أو الحصول على معارف عملياتية جديدة قد يزيد من مستوى التهديدات العابرة للحدود ويؤثر في استقرار منطقة تعاني أصلاً تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة.
ويُضاف إلى ذلك خطر انتشار التكنولوجيا العسكرية بين التنظيمات المسلحة غير الحكومية. فالتجارب المعاصرة تشير إلى أنّ انتقال الخبرات والتقنيات بين هذه التنظيمات يحدث بوتيرة أسرع من السابق، الأمر الذي يضاعف من صعوبة جهود مكافحة الإرهاب ويجعل من احتواء التهديدات الناشئة أكثر تعقيداً وكلفة.
ختاماً..
نحو إستراتيجية إقليمية ودولية متكاملة
يكشف التقارب بين جماعة الحوثي وحركة الشباب الصومالية عن حقيقة إستراتيجية مهمة، تتمثل في أنّ التهديدات الأمنية في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن لم تعد محصورة ضمن حدود الدول أو الأزمات المحلية. فقد أصبح هذا الفضاء البحري مسرحاً لتفاعلات متشابكة تجمع بين الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والاقتصاد غير المشروع، بما يعيد تشكيل طبيعة المخاطر التي تواجه المنطقة والعالم.
ولذلك، فإنّ مواجهة هذا التحدي لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات التكتيكية وحدها، سواء تمثلت في الضربات المحدودة أو الدوريات البحرية المتفرقة. بل إنّ الأمر يتطلب مقاربة شاملة تنطلق من إدراك الترابط العضوي بين أمن اليمن واستقرار القرن الأفريقي، وبين حماية الممرات البحرية وضمان أمن التجارة العالمية.
وتقوم هذه المقاربة على ثلاثة مرتكزات رئيسة
أولها دعم مؤسسات الدولة الشرعية في اليمن والصومال وتمكينها من بسط نفوذها ومكافحة اقتصاد التهريب والجريمة المنظمة.
وثانيها تعزيز التعاون الاستخباراتي والبحري الإقليمي والدولي لرصد الشبكات العابرة للحدود وتعطيل مسارات التمويل والتسليح.
وثالثها يتمثل في إدراك المجتمع الدولي أن استقرار البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل أصبح ركناً أساسياً من أركان الأمن الاقتصادي العالمي.
وفي المحصلة النهائية، فإنّ أخطر ما يكشفه التقارب بين الحوثيين وحركة الشباب ليس حجم ما قد يوفره من إمكانات عسكرية أو مالية للطرفين، بل ما يجسده من تحول في طبيعة التهديدات المعاصرة، حيث تتراجع الفواصل الجغرافية والاختلافات الأيديولوجية أمام منطق المصلحة العملياتية والمكاسب الإستراتيجية. ومن ثمّ، فإنّ أي رؤية مستقبلية لأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي ينبغي أن تنطلق من حقيقة مفادها أن استقرار ضفتي خليج عدن بات جزءاً من معادلة أمنية واحدة، وأنّ تجاهل هذا الترابط قد يفضي إلى ترسيخ دوائر جديدة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها في المستقبل.


