المقالات

سور البلد عالي.. ما همّه التهديد

بعض الكلمات لا تنتهي بانتهاء المناسبة التي قيلت فيها، ولا تبقى أسيرة اللحن الذي حملها إلى الناس؛ لأنها تكون أكبر من أغنية وأعمق من بيت شعر. ومن تلك الكلمات التي بقيت في الذاكرة السعودية عبارة الشاعر الراحل ناصر بن جريد: «سور البلد عالي.. ما همّه التهديد».

تبدو العبارة وصفاً شعرياً لمنعة الوطن، لكنها تختصر اليوم فلسفة وطنية كاملة. فالسور ليس جداراً من حجر؛ إنه دولة وجيش وأمن ومجتمع يعرف أن وطنه ليس ساحة مفتوحة لمن يريد العبث بأمنه.

وجمال العبارة أنها لم تقل: لا تهديد على البلد، بل قالت: ما همّه التهديد. وبين المعنيين مسافة كبيرة. فلا دولة في عالم اليوم تعيش بلا مخاطر، لكن الدولة القوية هي التي تمنع الخطر من تغيير حياتها أو إرادتها أو قرارها.

المنطقة دخلت مرحلة تتبدل فيها أدوات الحرب وتتعدد صورها: صواريخ ومسيرات وحملات تضليل ومحاولات لاختبار قدرة الدول على حماية مدنها ومنشآتها الحيوية. واستهداف المملكة لا يُقرأ دائماً بوصفه محاولة لإصابة هدف مادي؛ فقد يكون اختباراً لقدرة الدولة على الاستمرار والحفاظ على تماسكها.

ومن هنا تُقرأ حادثة محطة طيبة في المدينة المنورة. فالحدث لا يقاس بحجم الضرر المادي وحده، بل بدلالة اختيار منشأة مدنية في مدينة تحمل مكانة دينية وإنسانية استثنائية. المدينة المنورة موطن المسجد النبوي الشريف وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم، واستهداف منشأة تخدمها يتجاوز الحسابات العسكرية الضيقة.

لكن الأهم أن الخدمة لم تنهَر. خرج محول من الخدمة، ولم تخرج المدينة عن حياتها. وهنا يكمن الفرق بين إصابة منشأة وإصابة دولة.

في الحروب القديمة، كان تدمير المنشأة يعني في أحيان كثيرة توقف وظيفتها. أما الدولة التي تفكر للمستقبل فتبني منشآتها الحيوية على أساس أن الهجوم قد يقع، وتستعد له بالبدائل والتوزيع وسرعة الاستعادة واستمرارية الأعمال. قد لا تظهر هذه التفاصيل في اليوم العادي، لكنها تصبح عنوان القوة عندما يحاول أحدهم تعطيلها.

أعظم نجاح لمنظومة الحماية الوطنية ليس أن تمنع كل جسم معادٍ من الاقتراب، بل أن تجعل أثره، إن وصل، عاجزاً عن شل الحياة أو هز الثقة. هذا هو السور الذي لا يُرى.

وحين دخلت مكة المكرمة في دائرة الاستهداف بمحاولة بطائرة مسيرة، بدا المشهد أكثر حساسية. فمكة والمدينة ليستا ورقتي ضغط ولا مسرحاً لإثبات القدرة العسكرية. هما مسؤولية أمنية وتاريخية ودينية، وحمايتهما جزء من واجب المملكة تجاه مواطنيها وضيوف الرحمن والعالم الإسلامي.

وفي مواجهة هذا النوع من التهديد، لا تتحرك المملكة بمنطق الانفعال. القوة ليست أن تغضب الدولة، بل أن تظل قادرة على اتخاذ القرار وهي غاضبة. والردع ليس إعلان كل ما تستطيع فعله، بل أن يعرف الخصم أن لدى الدولة القدرة، وأنها تقرر متى وكيف تستخدمها.

الحزم في حماية الأمن والانضباط في إدارة التصعيد ليسا نقيضين، بل هما من صفات الدولة القادرة. وأمن المملكة لا يخص حدودها وحدها؛ فهو يتصل بأمن الطاقة والتجارة والملاحة الدولية وحركة الحجاج والمعتمرين واستقرار المنطقة.

لذلك يبدأ السور الحديث قبل الحدود: في العلاقات الدفاعية، وتبادل المعلومات، وتطوير الأنظمة، وحماية البنية التحتية، وبناء القدرة الوطنية القادرة على امتصاص الصدمة.

«سور البلد عالي» ليست عبارة عن قوة السلاح فقط، بل عن تماسك الدولة. قد يصاب محول، لكن لا تصاب الدولة. قد تسقط مسيرة، لكن لا تسقط الثقة. وقد يحاول الخصم الاقتراب من مكة والمدينة، لكنه لا يستطيع الاقتراب من القرار السعودي.

السور العالي لا يعني أن الريح لا تهب، بل يعني أنها مهما اشتدت لا تقتلع البيت.

وسيبقى سور البلد عالياً.. ما همّه التهديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى