كتاب الرأي

حياة الشيخ عبدالله السبيعي في كتاب من سقاء ببئر الحمام وصبي في الجودرية الى قمة النجاح والعصامية

تستهويني كتب السير الذاتية وتراجم الشخصيات، وأجد فيها متعة وعلم واضافة جديدة الى تجارب حياتي، وقد دأبتُ في السنوات الأخيرة على متابعة ما يصدره الباحث د.محمد أبوبكر حميد من سير ومذكرات شخصياتنا العصامية تحت عنوان (العصاميون السعوديون) التي تصدر عن دار النشر الخاصة به، وهي (الدار العربية اللبنانية).

أمضيت ساعات ممتعة في قراءة كتاب (مائة عام من الكدح والكفاح وتجارب النجاح في حياة الشيخ عبدالله بن إبراهيم السبيعي)، ولم أترك الكتاب من يدي حتى فرغت منه، فلم أكن أتصور حجم المعاناة التي احتملها هذا الرجل في صباه وباكر شبابه مع أخيه محمد الأكبر منه بعشر سنوت ووالدتهما الأرملة التي قاست كثيراً وكدحت لتربيتهما بعد أن توفي والدهما بعيداً عنهم، ولم يره ابنه عبدالله قط.
وقد استوقفتني حياتهما في مكة المكرمة بعد انتقالهما من عنيزة، حيث قدم اليها محمد أولا بدعم وتشجيع من عمهما ناصر الذي كان صاحب دكان بمكة. وبوصول عبدالله ووالدته نورة العماش وجدته لأبيه حصة الواصل الى مكة المكرمة دخل هذا الصبي الصغير سوق العمل، عمل في دكان عمه ثم عمل صبياً في دكاكين آخرين، ثم عمل سقاء لبيوت سكان بئر الحمام التي كان يسكنها الكثير من أهل القصيم في حين كان شقيقه محمد يعمل في البناء وحمل الأحجار.
بذرة بنك البلاد

وكانت بداية النقلة في حياتهما حيث بدأ عبدالله مع شقيقه محمد العمل في سوق الجودرية، وفتحا بها محلاً للصرافة جعلهما يقفزان الى طليعة المصرفيين السعوديين، وهذا المحل الصغير في سوق الجودرية زرع البذرة التي خرج منها بنك البلاد فيما بعد. وفي الوقت نفسه دخل الشقيقان في شراكة مع رجل يدعى سليمان بن غنيم صاحب دكان في الجودرية وهو من بلدة دارين بالمنطقة الشرقية.

ومع بن غنيم كما يروي المؤلف كانت بداية انطلاقتهما القوية في عالم التجارة، فقد تعددت أعمالهما في مختلف مناطق المملكة وامتدت الى لبنان، ورغم أن الشقيقين قكان يستطيعان مالياً الانفراد بعمل تجاري مستقل لهما لكن الأخلاق التي ربتهما عليها أمهما، والدين والتُقى الذي تشرباه جعلهما يرفضان ذلك وفاء واخاء.

الجسد في جدة والقلب في مكة وبتأسيس شركة الصرافة والتجارة الخاصة بهما في مكة وبنصيحة من صديقهما المصرفي الكويتي عبدالعزيز المزيني انتقل ثقل عملهما الى جدة التي أصبحت مقرهما الرئيسي، ووانتقلعبدالله السبيعي الى جدة لكن قلبه بقي في مكة المكرمة التي كانت أعظم حب في حياته، فلم يكن يريد مفارقة الحرم والصلاة فيه فظل متردداً عليه، كل أسبوع، وظل متردداً على سوق الجودرية وفياً لزملاء النجاح فيه.

والحقيقة ان هذا الكتاب يوثق لحياة هذا الرجل العصامي الفذ من كل جوانبها مع حرص المؤلف وتركيزه على القيم والعبر والدروس التي تفيد جيلنا وأبناء الأجيال القادمة، بأنه لا يوجد مستحيل أمام الإرادة القوية بالايمان بالله والثقة به والتوكل عليه، ولا يوجد فشل تجاري في طريق من يسير بين الناس بالصدق والأمانة والإخلاص.

ما الذي أضافه الكتاب؟
أهم ما يقدمه هذا الكتاب في نظري انه يقدم أولاً صورة رائعة لكفاح الأم في تربية أولادها على التقى ومخافة الله والاعتماد على النفس بعد التوكل على الله. وثانيا يقدم الكتاب صوراً رائعة للعصامية والصبر والكفاح في الحياة. ثالثا يقدم الكتاب صورة رائعة للأخوة في جمالها وروعتها بين الأخوين .. أخوة دامت مائة عام بين الشقيقين عبدالله وأخيه الأكبر محمد لم يشبها خلاف على مال ولا غيره، فقد عاشا الى فاتهما كرجلين في رجل، وهذا درس عظيم للاخوان الذين يختلفون ويتفرقون بسبب المال.

بهذا الكتاب أضاف الباحث الخبير في السير والمذكرات د.محمد أبوبكر حميد كتاباً جديداً قيماً يثري مكتبة العصاميين السعوديين بتجربة نجاح تستحق الظهور والخلود لما فيها من دروس وعبر، فهنيئاً لأخواننا أبناء الشيخين محمد وعبدالله السبيعي بهذا الكتاب، وهنيئاً لنا جميعا بتوثيق سيرة هذا العصامي الذي نشا ونجح في ربوع مكة المكرمة رحمه الله ..

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى