المقالات

(خالة)… حين توقظ الكلمةٌ وطنًا! قراءة في قصة الدكتورة: سونيا مالكي

لا تحتاج القصة القصيرة دائمًا إلى حدثٍ صاخب كي تهز قارئها. أحيانًا تكفي كلمة عابرة، قيلت بلا قصد، لتكشف ما أخفته سنوات كاملة. وهذا ما فعلته الدكتورة سونيا أحمد مالكي في قصتها (خالة)، حيث بنت نصها على مفارقة لافتة: رحلة تمتد آلاف الكيلومترات، بينما يحدث التحول الحقيقي في كلمة واحدة.

منذ السطر الأول، لا تُشْغَل الكاتبة بوصف المطار بوصفه مكانًا، بل تجعله امتدادًا للحالة النفسية. انتظام عجلات الحقيبة، وبرودة الأرضية، والضوء الأبيض، كلها عناصر لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تهيئ القارئ لشخصية اعتادت أن ترى العالم من خلال النظام والدقة. وليس من المصادفة أن تكون البطلة متخصصة في الهندسة النووية؛ فاختصاصها ليس معلومة عابرة، بل مفتاح لقراءتها. إنها امرأة أمضت سنوات طويلة تؤمن بأن لكل ظاهرة تفسيرًا، ولكل نتيجة سببًا، قبل أن تكتشف أن أكثر ما يحكم الإنسان لا يخضع لأي معادلة.

تحسب للقصة قدرتها على مقاومة المباشرة. فالغربة لا تُقال، بل تُرى في التفاصيل. لا تخبرنا البطلة أنها كانت وحيدة، وإنما تكشف ذلك حين تقول إنها لم تقترب من العرب طوال سنوات إقامتها. هذه الجملة الصغيرة تفتح بابًا واسعًا للتأويل؛ فابتعادها لم يكن رفضًا للهوية، بقدر ما كان محاولة لتأجيل مواجهة الحنين. وهي فكرة لافتة؛ لأن الإنسان كثيرًا ما يهرب من أكثر الأشياء قدرةً على استدعاء ذاكرته.

ويأتي الشاب الجالس إلى جوارها في الطائرة في رحلة العودة، بوصفه النقيض الهادئ لها. إنه لا يلقي خطابًا عن الوطن، ولا يمارس دور الواعظ، بل يتحدث بعفوية عن أشياء تبدو صغيرة: صوت الأب، إيقاظ الأم، ورائحة الشارع بعد المطر. هنا تنتصر القصة لفكرة عميقة؛ فالوطن لا يُختزل في الجغرافيا، بل في التفاصيل التي لا ينتبه إليها الإنسان إلا بعد أن يفقدها.

أما الضربة الفنية الأبرز، فهي اختيار الكاتبة أن تجعل لحظة التحول تنبع من كلمة لا من حدث. عبارة (يا خالة) لا تحمل أي قصد جارح، لكنها تتحول إلى مرآة ترى البطلة فيها السنوات التي مضت دون أن تشعر. فجأة لا تصبح الغربة مسافة بين بلدين، بل زمنًا مضى بصمت. ولعل هذا ما يفسر اختيار العنوان؛ إذ لم يعد النداء مجرد لفظة، وإنما صار مركز الثقل الذي يدور حوله النص كله.

ولا تكتفي الكاتبة بهذه الصدمة اللفظية وحدها، بل تُتبعها بصدمة أخرى موازية، أكثر خفاءً وأشد أثرًا: صوت طلال مداح المنساب من سماعات الطائرة. إن الكلمة تفتح الجرح، والصوت يُنزل الحسم. فـ” يا خالة” توقظ الوعي بالزمن، أما الأغنية فتعيد إلى البطلة، لا الذكرى، بل الشخص الذي كانته قبل أن تصير امرأة تؤمن بالأرقام وحدها. وفي هذا التتابع الدرامي الدقيق – الكلمة ثم الصوت – تكمن براعة الكاتبة: فهي لا تكتفي بلحظة تنوير واحدة، بل تبنيها على مرحلتين متلاحقتين، الأولى تصدم البطلة بالزمن الذي مضى، والثانية تصدمها بالهوية التي أجّلت مواجهتها. وبذلك يتضاعف أثر المشهد كله دون أن تحتاج الكاتبة إلى أي تعليق مباشر.

ومن النقاط التي تستحق الإشادة كذلك، أن الكاتبة لم تجعل النهاية خطابًا وطنيًا مباشرًا، ولم تستسلم لإغراء الشعارات. فالمطار في النهاية يشبه أي مطار، والأرض هي الأرض، والناس يمضون في أعمالهم. المختلف الوحيد هو البطلة نفسها. وهذا انتقال محكم من الخارج إلى الداخل، ومن المكان إلى الإنسان.

ومع ذلك، فالقصة ليست بمنأى عن بعض الملاحظات الفنية. فالشاب، على الرغم من حضوره المؤثر، يبقى أقرب إلى حاملٍ للفكرة منه إلى شخصية مكتملة الملامح. كان يمكن لتفصيل إنساني صغير ــ حركة عفوية، أو رسالة يتلقاها، أو ارتباك عابر ــ أن يمنحه مزيدًا من الحياة. كذلك فإن بعض المقاطع التأملية كان يمكن اختزالها قليلًا؛ لأن القصة القصيرة الحديثة غالبًا ما تزداد قوة كلما ازدادت ثقةً بالصمت وبالمسكوت عنه.

غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنية للنص، بل تؤكد أنه نص جدير بالقراءة والتأمل. فقصة “خالة” لا تتحدث، في جوهرها، عن العودة إلى الوطن، وإنما عن لحظة أكثر تعقيدًا: اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أنه كان يؤجل لقاءه بنفسه، وأن الزمن لا يُقاس بعدد السنوات التي مرت، بل بما تركته في داخله. ولهذا، فإن أجمل ما في القصة أنها تنتهي حيث تبدأ معظم الحكايات الأخرى؛ لا عند بوابة المطار، بل عند بوابة الوعي.

خلف سرحان القرشي

مؤلف ومترجم ومدرب في الكاتبة الإبداعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى