المقالات

أنسنة المدن.. حين يصبح المكان أقرب إلى الإنسان

ليست المدينة مجرد شوارع ومبانٍ، ولا الحديقة مجرد مساحة خضراء للترفيه أو ملاهٍ للأطفال؛ فخلف كل مكان حكاية إنسان، وكل ساحة يمكن أن تكون بداية لقاء، وكل طريق فرصة للتواصل.

من هنا تبدأ أَنْسَنَةُ المدن؛ حين يشعر الإنسان بأن المكان من حوله صُمِّم ليخدم احتياجاته، ويمنحه الراحة والأمان، ويجعل تفاصيل حياته اليومية أكثر سهولة وجمالًا.

وفي المدينة المنورة، تكتسب هذه الفكرة بُعدًا خاصًّا؛ فالمكان الذي ارتبط بسيرة النبي ﷺ، وشهد بناء مجتمع قائم على التراحم والتعاون وحسن التعامل، شهد كذلك تهيئةً للمكان بما يلائم احتياجات الإنسان وحياته اليومية. ومن ذلك ما ارتبط بالمسجد النبوي، الذي لم يكن موضعًا للعبادة فحسب، بل كان مكانًا للصلاة والتعليم واللقاء وقضاء شؤون المجتمع، بما يعكس فهمًا لوظيفة المكان في خدمة الإنسان واحتياجاته. وهكذا يلتقي إرث المدينة الإنساني مع مفهوم أنسنة المدن، فيكون الإنسان محورًا أساسيًّا في تطوير المكان.

واليوم تأتي مشاريع تطوير المشهد الحضري وتحسين جودة الحياة في إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي جعلت جودة الحياة أحد مساراتها المهمة؛ فالشوارع الجميلة، والأرصفة المهيأة، والمساحات الخضراء، والساحات العامة، والمرافق التي تراعي مختلف احتياجات أفراد المجتمع، ليست مجرد مظاهر عمرانية، بل عناصر تصنع تجربة أفضل للإنسان.

ويترجم هذا التوجه على أرض الواقع ما تشهده المدينة المنورة من جهود متواصلة تقودها أمانة منطقة المدينة المنورة وهيئة تطوير المنطقة، للارتقاء بالمشهد الحضري وتحسين البيئة العمرانية، من خلال تطوير المرافق والمساحات العامة، وتحسين الشوارع والأرصفة، ومعالجة التشوهات البصرية، بما يعزز جمال المدينة ويرفع مستوى الراحة وجودة الحياة، ويجعل تفاصيل المكان أكثر ملاءمة للإنسان واحتياجاته اليومية.

لكن أنسنة المدن لا تتوقف عند حدود المشاريع؛ فالإنسان شريك في صناعة المكان والمحافظة عليه. فحين نحافظ على نظافة الشارع، ونحترم المرافق العامة، ونلتزم بآداب الطريق، ونزيل الأذى عن الآخرين، فإننا نكمل ما بدأه التخطيط والعمران.

وقد جاء الهدي النبوي ليؤكد قيمة هذه السلوكيات؛ فإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وحسن التعامل والرفق بالناس من القيم التي تجعل الحياة أكثر إنسانية وجمالًا.

إن المدينة التي تُبنى للإنسان لا تكتفي بأن تكون جميلة في صورتها، بل تسعى لأن تكون مريحة في تفاصيلها، آمنة في طرقها، رحبة في مساحاتها، ومحفزة على التواصل والمشاركة المجتمعية.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لأنسنة المدن: أن يصبح المكان أقرب إلى الإنسان، وأن يصبح الإنسان أكثر حرصًا على المكان.

وحين تلتقي قدسية المكان بجمال العمران، تظل أنسنة المدينة أكثر من مشروع تطوير؛ إنها ثقافة وسلوك ورسالة، عنوانها أن تكون المدينة أجمل بالإنسان، وأن يكون الإنسان أجمل بها.

وكما قال الشاعر عبدالمحسن بن حليت:

«هنا الجمالُ وبيتُ الشعرِ يعترفُ
هنا المدينةُ والأجواءُ تختلفُ»

وشُكْرًا لِسُمُوِّ أَمِيرِ مِنْطَقَةِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَلِمَعَالِي أَمِينِ مِنْطَقَةِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَلِكُلِّ مَنْ عَمِلَ وَأَخْلَصَ وَأَسْهَمَ فِي تَطْوِيرِ المَدِينَةِ وَصِنَاعَةِ هَذَا الجَمَالِ؛ فَخَلْفَ كُلِّ طَرِيقٍ مُهَيَّأٍ، وَكُلِّ مَعْلَمٍ مَحْفُوظٍ، وَكُلِّ سَاحَةٍ جَمِيلَةٍ، جُهُودٌ مُخْلِصَةٌ تَسْتَحِقُّ التَّقْدِيرَ، وَقُلُوبٌ أَحَبَّتِ المَدِينَةَ وَأَخْلَصَتْ لَهَا.

علي العلوي

كاتب وممارس في العلاقات العامة والاتصال المؤسسي، مهتم بالقضايا الإنسانية والمجتمعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى