المقالات

حينما تصبح وسائل التواصل الإجتماعي مصدراً للأخبار : بين سهولة الوصول وضرورة التحقق ….

لم تعد وسائل التواصل الإجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الصور والآراء، بل أصبحت جزءً أساسياً من البيئة الإعلامية المعاصرة. فمن خلالها تصل الأخبار إلى الجمهور في لحظاتها الأولى، وتنتشر الصور ومقاطع الفيديو والتعليقات بسرعة غير مسبوقة، وأصبح كثير من الناس يبدأون يومهم بمعرفة ما يحدث في العالم عبر شاشة الهاتف، قبل الرجوع إلى صحيفة أو موقع إخباري أو نشرة تلفزيونية.
هذا التحول الإعلامي لا يعني أن وسائل التواصل الاجتماعي مصدر غير موثوق بطبيعتها، ولا أن المعلومات الصحيحة غائبة عنها؛ وإنما تكمن المشكلة عندما تتحول المنصة من وسيلة للوصول إلى الأخبار إلى مصدر تُمنح معلوماته الثقة تلقائيًّا، من دون التحقق من أصل المعلومة ومصداقية ناشرها.
وقد أصبح هذا الموضوع بالنسبة إليَّ أكثر من مجرد إهتمام أكاديمي أو ملاحظة مهنية؛ إذ أجريت عددًا من الدراسات والبحوث العلمية حول إعتماد الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي في الحصول على الأخبار والمعلومات، ونُشرت هذه البحوث في مجلات علمية محكَّمة باللغة العربية ( مجلة – الجامعة الكندية 2024 وباللغة الإنجليزية. مجلة SOCIAL MEDIA 2025…….)ومن خلال هذه الدراسات، إلى جانب مراجعة الأدبيات العلمية ذات الصلة، لاحظت تنامي إعتماد الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي مصدراً للأخبار، بالتوازي مع منح بعض المستخدمين المعلومات المتداولة عبرها درجة من الثقة قد لا تتناسب دائماً مع مستوى التحقق من صحتها.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: هل ينبغي أن نثق في وسائل التواصل الاجتماعي، أم في المصدر الموثوق الذي يصل إلينا عبرها؟ والفرق بين الأمرين جوهري؛ فعندما تنشر مؤسسة إخبارية مهنية وموثوقة خبراً عبر إحدى منصات التواصل الاجتماعي، فإن قيمة الخبر لا تستمد مصداقيتها من المنصة، وإنما من المؤسسة التي أنتجته، ومنهجيتها في جمع المعلومات والتحقق منها، وسجلها المهني، وقدرتها على تحمل مسؤولية ما تنشره. وكذلك الحال عندما تنشر جهة رسمية معلومة عبر حسابها الموثق؛ فمصدر المعلومة هو الجهة الرسمية، وليس منصة التواصل الإجتماعي.
ومن هنا، ينبغي النظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي بإعتبارها، في كثير من الحالات، وسيلة لإكتشاف المعلومات وتوزيعها، لا شهادة تلقائية على صحتها. وتزداد أهمية هذه المسألة مع التحول المتسارع نحو إستهلاك الأخبار عبر المنصات الرقمية. فقد أظهر Digital News Report 2025 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة إستمرار إرتفاع إستخدام وسائل التواصل والمنصات المرئية للحصول على الأخبار، في وقت يواجه فيه الإعلام التقليدي تحديات تتعلق بالثقة والوصول إلى الجمهور. كما أظهر التقرير أن 58% من المشاركين عالمياً يشعرون بالقلق بشأن قدرتهم على التمييز بين الحقيقي والزائف في الأخبار المتداولة عبر الإنترنت.
لكن التقرير نفسه يلفت الإنتباه إلى جانب مهم من الحل؛ فعندما يرغب الناس في التحقق من معلومة يشكون في صحتها، فإنهم يتجهون إلى المصادر الإخبارية التي يثقون بها والمصادر الرسمية، إلى جانب مواقع التحقق من الحقائق. وهذا يقودنا إلى جوهر المسألة: المطلوب ليس الإبتعاد عن وسائل التواصل الإجتماعي، وإنما تغيير الطريقة التي نتعامل بها معها.
فليس كل ما يظهر أمامنا خبراً، وليس كل حساب مصدراً، وليس كل من يمتلك آلافاً أو ملايين المتابعين صحفياً أو خبيراً ، كما أن عدد الإعجابات والمشاركات والتعليقات لا يمثل معياراً للثقة . قد تنتشر معلومة خاطئة ملايين المرات، بينما تظل معلومة صحيحة ومهمة محدودة الإنتشار…. فالإنتشار يقيس قدرة المحتوى على الوصول إلى الناس، لكنه لا يقيس بالضرورة دقته أو مصداقيته.
وهنا تظهر إحدى أبرز مشكلات البيئة الرقمية، وهي الخلط بين الشعبية والمصداقية. فقد يميل الإنسان إلى تصديق المعلومة لأنها ظهرت أمامه مرات عديدة، أو لأن عدداً كبيراً من الأشخاص أعاد نشرها، أو لأنها جاءت من شخص يعرفه ويثق به. لكن تكرار المعلومة لا يحولها إلى حقيقة، كما أن الثقة في ناشرها لا تعني بالضرورة صحة محتواها.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تكون المعلومة صحيحة في جزء منها، لكنها مضللة في سياقها. فقد تكون الصورة حقيقية، لكنها تعود إلى حدث قديم؛ وقد يكون مقطع الفيديو حقيقياً، لكنه صُوِّر في دولة أخرى؛ وقد يكون التصريح صحيحاً، لكنه اقتُطع من سياقه؛ وقد يكون الخبر صحيحاً في جوهره، ثم يُرفق بعنوان مضلل أو مثير يغير دلالته. ولهذا، فإن أخطر أشكال التضليل ليست دائماً المعلومات المختلقة بالكامل، وإنما تلك التي تحتوي على قدر من الحقيقة يجعل إكتشاف التضليل فيها أكثر صعوبة.
ومن خلال نتائج الدراسات العلمية حول هذه الظاهرة، أرى أن قضية الثقة تستحق إهتماماً خاصاً؛ لأن المشكلة لا تكمن في إستخدام الجمهور لوسائل التواصل الإجتماعي للحصول على الأخبار فحسب، وإنما في تعامل بعض المستخدمين معها كما لو كانت منظومة تحريرية متكاملة تضمن صحة كل ما يظهر أمامهم.
والحقيقة أن المنصة ليست غرفة أخبار. فهي بيئة مفتوحة يظهر فيها الصحفي والباحث والمؤسسة الرسمية والخبير والمتخصص والمستخدم العادي والمؤثر، بل وحتى الحساب المجهول، أمام الجمهور في المساحة الرقمية نفسها. ولذلك يصبح السؤال عن هوية المصدر أكثر أهمية من السؤال عن المنصة التي نُشرت عليها المعلومة.
نحن بحاجة إلى الإنتقال من ثقافة «رأيت الخبر على وسائل التواصل» إلى ثقافة أكثر وعيًا تقول: «رأيت الخبر على وسائل التواصل، لكنني سأبحث عن مصدره وأتحقق منه قبل أن أصدقه أو أشاركه». وهذه ليست دعوة إلى التشكيك في كل شيء، وإنما إلى بناء ثقة أكثر عقلانية. فالثقة الإعلامية لا تعني أن نصدق كل ما نقرأ، ولا أن نشك في كل ما نقرأ؛ وإنما أن نعرف متى نثق، ولماذا نثق، ومن يستحق الثقة.
والمصدر الموثوق هو الذي يمكن معرفة هويته، والرجوع إلى أصله، ومساءلته عن معلوماته، والتعرف على منهجيته في جمع الأخبار والتحقق منها، ومراجعة ما إذا كان يصحح الأخطاء عند وقوعها. ولهذا تظل المؤسسات الإعلامية المهنية، والمصادر الرسمية، والخبراء المعروفون في مجالاتهم، ومؤسسات التحقق ذات المنهجيات الواضحة، أكثر أهمية من مجرد حساب يحظى بعدد كبير من المتابعين.
ولا يعني ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي لا تصلح للوصول إلى هذه المصادر؛ بل على العكس، يمكن أن تكون أداة فعالة للوصول إلى الصحف والمؤسسات الرسمية والباحثين والخبراء والجامعات والمراكز العلمية. وقد كشفت دراسة تجريبية حديثة منشورة في Nature Human Behaviour أن متابعة حسابات المؤسسات الإخبارية عبر وسائل التواصل الاجتماعي يمكن، في ظروف معينة، أن تعزز معرفة الجمهور بالأحداث وقدرته على التمييز بين الأخبار الصحيحة والزائفة. وهذا يؤكد أن المشكلة لا تكمن في المنصة بحد ذاتها، وإنما في نوعية المحتوى ومصدره وطريقة استهلاكه.
ومن الإنصاف أيضاً الإقرار بأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أداة مهمة في نقل الأحداث العاجلة، والوصول إلى المصادر الأولية، ومتابعة المؤسسات الرسمية، والإستماع إلى الخبراء، والتعرف على وجهات النظر المختلفة. كما أتاحت للمواطن أن يكون شاهداً على الحدث وأن ينقل ما يراه من موقعه. لكن تصوير الحدث لا يعني بالضرورة القدرة على تفسيره، ونقل المعلومة لا يعني القدرة على التحقق منها، وامتلاك جمهور واسع لا يعني التخصص في الموضوع المطروح.
ومن هنا، لا تقع المسؤولية على المنصات وحدها، بل يتحمل المستخدم جانباً أساسياً منها. وقبل مشاركة أي خبر، ينبغي أن يسأل: من المصدر الأصلي للمعلومة؟ هل نشرتها جهة موثوقة؟ هل نقلتها مؤسسات مستقلة أخرى؟ هل توجد وثائق أو بيانات تدعمها؟ هل التاريخ والسياق صحيحان؟ وهل الصورة أو مقطع الفيديو مرتبطان فعلًا بالحدث؟
وهناك سؤال أكثر أهمية: هل أشارك المعلومة لأنني تحققت منها، أم لأنني أرغب في أن تكون صحيحة؟ قد يكون هذا السؤال من أصعب الأسئلة وأكثرها أهمية؛ لأن الإنسان يميل أحياناً إلى تصديق المعلومات التي تتفق مع قناعاته قبل أن يتحقق منها. وهنا يمكن أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى بيئة تعزز القناعات القائمة بدلاً من أن تساعد المستخدم على إختبارها ومراجعتها.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة في صناعة المحتوى، أصبحت المسألة أكثر تعقيداً؛ إذ بات إنتاج الصور ومقاطع الفيديو والأصوات التي تبدو حقيقية أكثر سهولة، الأمر الذي يجعل العودة إلى المصادر الأصلية والموثوقة ضرورة لا يمكن تجاوزها.
إننا نعيش عصراً لم تعد فيه المشكلة نقص المعلومات، وإنما وفرة المعلومات متفاوتة القيمة والمصداقية. ولهذا، فإن مستقبل الإعلام لا ينبغي أن يُختزل في صراع بين الإعلام التقليدي ووسائل التواصل الاجتماعي، بل في القدرة على الجمع بين سرعة المنصات الرقمية ومهنية الصحافة ودقة التحقق .
قد تصل المعلومة إلينا أولاً عبر منصة إجتماعية، وهذا أمر طبيعي في البيئة الإعلامية الراهنة، لكن يجب ألا تكون المنصة هي المحطة الأخيرة. فالمنصة قد تخبرنا بأن هناك خبراً، لكن المصدر الموثوق هو الذي يساعدنا على معرفة ما إذا كان الخبر صحيحاً.
وهذا هو المفهوم الذي ينبغي ترسيخه في وعي الجمهور، خصوصاً لدى الأجيال الشابة التي نشأت في بيئة رقمية تداخلت فيها الأدوار بين الصحفي والمواطن والمؤثر والمعلن والناشط وصانع المحتوى بصورة غير مسبوقة. فالقضية لم تعد مجرد إستخدام منصة أو تطبيق، وإنما أصبحت قضية وعي إعلامي ومجتمعي.
ولا يمكن أن نطلب من الناس التوقف عن إستخدام وسائل التواصل الإجتماعي للحصول على الأخبار، لكن يمكننا أن نعلّمهم ألا يمنحوها ثقتهم المطلقة، وأن يسألوا دائماً عن المصدر قبل المنشور، والدليل قبل الادعاء، والتحقق قبل المشاركة.
فالثقة ليست في التطبيق، ولا في عدد المتابعين، ولا في عدد الإعجابات، ولا في سرعة إنتشار الخبر الثقة في المصدر.
وإذا وصلنا الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فليس السؤال الأهم: «كم شخصًا شاركه؟»، وإنما: «من أين جاء؟ ومن الذي تحقق منه؟»في زمن تستطيع فيه المعلومة الوصول إلى ملايين البشر خلال دقائق، قد لا يكون الإنجاز الإعلامي الحقيقي أن نكون أول من يعرف الخبر، وإنما أن نكون من أوائل من يعرف ما إذا كان الخبر يستحق أن يُصدَّق أصلاً.
ومن هنا، فإن الخلاصة أن وسائل التواصل الإجتماعي يمكن أن تكون جسراً إلى المعرفة، لكنها لا ينبغي أن تكون بديلاً عن المصدر الموثوق.
إستخدم وسائل التواصل للوصول إلى الخبر، لكن إرجع إلى المصدر الموثوق لتعرف الحقيقة…

د. سالم بن ناصر الشريف

استاذ جامعي - مستشار إعلامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى