
منذ سنوات طويلة ظل الملف اليمني يدور في حلقة معقدة من التصعيد والتهدئة، والمبادرات السياسية والانتكاسات الميدانية، حتى بدا وكأن الصراع دخل مرحلة من الجمود الاستراتيجي الذي لا يسمح لأي طرف بإحداث تحول حاسم في مساره. وتعاقبت جولات التفاوض والوساطات الإقليمية والدولية، وتبدلت خرائط السيطرة في عدد من الجبهات، إلا أن النتيجة العامة بقيت تدور حول إدارة الأزمة أكثر من حلها، واحتواء تداعياتها أكثر من معالجة أسبابها الجذرية.
ومع انطلاق عملية فجر اليمن فجر الخامس من أكتوبر 2026، عاد التساؤل مجددا حول إمكانية انتقال المعركة من مرحلة الاحتواء وإدارة التوازنات إلى مرحلة استعادة المبادرة وصناعة الوقائع الميدانية المؤثرة، بعد سنوات طويلة من الاستنزاف العسكري والسياسي والإنساني الذي أنهك مؤسسات الدولة اليمنية وأثقل كاهل المواطنين.
فالعملية التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية بمساندة تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية لم تكن مجرد رد فعل محدود على التطورات العسكرية الأخيرة، وإنما عكست انتقالا من استراتيجية الدفاع والاحتواء إلى استراتيجية المبادرة واستعادة زمام الحركة. فبدلا من الاقتصار على حماية المواقع القائمة أو الحد من الخسائر، اتجهت القوات الحكومية إلى تنفيذ عمليات واسعة النطاق استهدفت استعادة مواقع ذات أهمية عملياتية، وإعادة رسم خطوط التماس، وفرض ضغوط عسكرية متزايدة على الجماعة الحوثية في أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
السياق السياسي للعملية
لا يمكن فهم عملية فجر اليمن بمعزل عن السياق السياسي الذي سبق انطلاقها. فمنذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، بذلت الحكومة اليمنية الشرعية جهودا متواصلة للوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتحفظ وحدة البلاد وسيادتها وتعيد مؤسسات الدولة إلى أداء وظائفها الطبيعية. كما انخرطت في مختلف المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى تخفيف التصعيد وتهيئة الظروف المناسبة لتحقيق سلام دائم.
غير أن مسارات التفاوض واجهت تحديات متكررة نتيجة استمرار التعقيدات الميدانية وتباين الرؤى السياسية، بينما استمرت الجماعة الحوثية في تعزيز قدراتها العسكرية وتوسيع نفوذها في عدد من المناطق. ومع تعثر فرص التسوية، تزايدت القناعة لدى أوساط واسعة داخل معسكر الشرعية بأن استمرار حالة الجمود لم يعد يقرب اليمن من السلام، بل يكرس واقع الانقسام ويمنح الانقلابيين مزيدا من الوقت لترتيب أوضاعهم الميدانية.
وفي هذا الإطار أعلن فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي د. رشاد العليمي الانتقال إلى مرحلة العمل العسكري، قبل أن يعلن رسميا انطلاق عملية فجر اليمن بهدف استعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي. وقد جاءت هذه الخطوة ضمن رؤية تعتبر أن الحل السياسي المستدام لا يمكن أن يقوم على اختلال موازين القوة أو على فرض الأمر الواقع بقوة السلاح
ومن هذا المنطلق تنظر الحكومة الشرعية إلى العملية بوصفها ممارسة مشروعة لحق الدولة في استعادة السيادة وبسط سلطتها على كامل أراضيها وحماية مواطنيها. كما تؤكد أن المعركة ليست ضد المجتمع اليمني أو أي مكون سياسي أو اجتماعي، بل ضد مشروع الانقلاب الذي أدى إلى إضعاف الدولة وإطالة أمد الحرب.
استعادة المبادرة والتحول الميداني
مثلت عملية فجر اليمن تحولا ميدانيا لافتا بعد سنوات من الرهان على التهدئة وإدارة خطوط التماس. فقد اتسعت رقعة العمليات لتشمل جبهات متعددة في الساحل الغربي وتعز ومأرب ومناطق أخرى، بما يعكس أن العملية أعدت وفق تصور أوسع من مجرد معركة موضعية أو تحرك محدود في قطاع عملياتي واحد
ومن أبرز ما أعلنته القوات الحكومية تحقيق تقدم عسكري في محيط باب المندب والسيطرة على مواقع استراتيجية في مديرية ذوباب ومطارها، إلى جانب استعادة مدينة المخا والسيطرة على مواقع تطل على المضيق وقطع طرق إمداد رئيسية في المنطقة. وفي المقابل نفت جماعة الحوثي بعض هذه الادعاءات، وهو ما يفرض التعامل مع نتائج العمليات الجارية بوصفها معطيات ميدانية متحركة تخضع للتطور والتغير المستمر
ومع ذلك فإن أهمية هذه التطورات لا تكمن فقط في حجم الأراضي التي جرى التقدم فيها، بل في طبيعة المنطقة نفسها. فالساحل الغربي يعد من أكثر المسارح العسكرية حساسية في اليمن، نظرا لارتباطه المباشر بأمن الملاحة البحرية وباب المندب وخطوط التجارة الدولية.
كما يحسب للقيادة العسكرية اليمنية ما أظهرته من انضباط وتنسيق في إدارة العملية. فالانتقال من مرحلة الإعداد والتجهيز إلى تنفيذ عمليات متزامنة على أكثر من جبهة يتطلب مستوى مرتفعا من التخطيط وإدارة الموارد والقدرة على المحافظة على خطوط الإسناد والدعم اللوجستي.
ويبدو أن القوات الحكومية استفادت من الخبرات المتراكمة خلال سنوات الحرب، سواء على مستوى القيادة والسيطرة أو في مجال التنسيق بين الوحدات العسكرية والتشكيلات المختلفة. وقد انعكس ذلك في القدرة على تنفيذ مهام معقدة ضمن بيئة عملياتية صعبة تتداخل فيها العوامل الجغرافية والعسكرية والسياسية.
واقترنت العمليات البرية بإسناد جوي من تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، حيث أعلنت قيادة التحالف مشاركة نحو مائة طائرة مقاتلة في الساعات الأولى من العملية، وتنفيذ ضربات استهدفت أهدافا عسكرية حوثية، مع توفير الحماية الجوية لمحيط باب المندب ومسرح العمليات في الساحل الغربي. وهذا التكامل بين الجهدين البري والجوي يعكس وجود تصور عملياتي منظم يقوم على تنسيق الجهود وتوحيد الأهداف بين القوات اليمنية والتحالف
ومع ذلك، فإن الواقعية تقتضي الإقرار بأن الطريق نحو الحسم لا يزال طويلا. فجماعة الحوثي تمتلك خبرة قتالية تراكمت خلال سنوات الحرب، كما تستفيد من طبيعة التضاريس المعقدة، فضلا عن امتلاكها قدرات صاروخية وطائرات مسيرة تجعل الصراع مرشحا للاستمرار لفترة ليست قصيرة.
لكن الأهمية الحقيقية للعملية لا تكمن فقط فيما تحقق من مكاسب أولية، بل في أنها أعادت طرح احتمال انتقال زمام المبادرة إلى القوات الحكومية بعد سنوات طويلة كانت فيها الجماعة الحوثية قادرة بدرجات متفاوتة على فرض إيقاع الصراع وتوقيت تصعيده أو تهدئته.
البعد الجيوستراتيجي والأمن البحري
ما يمنح التطورات اليمنية أهمية استثنائية هو أن آثارها تتجاوز الإطار الوطني لتلامس مصالح إقليمية ودولية واسعة. فاليمن يقع في واحد من أكثر المواقع حساسية على الخريطة الجيوسياسية العالمية، بإطلالته المباشرة على باب المندب والبحر الأحمر، وهما من أهم الممرات البحرية التي تعبر من خلالها نسبة كبيرة من حركة التجارة العالمية وشحنات الطاقة الدولية.
ولهذا لم تعد الأزمة اليمنية شأنا داخليا صرفا، بل أصبحت جزءا من معادلة أمنية أوسع ترتبط بأمن الممرات البحرية واستقرار الاقتصاد العالمي والتوازنات الاستراتيجية في المنطقة. وقد أظهرت التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة حجم الترابط بين الوضع الأمني في اليمن وأمن الملاحة الدولية، بعدما تعرضت سفن ومنشآت وممرات بحرية لتهديدات متكررة أثرت في حركة التجارة والنقل البحري ورفعت تكاليف الشحن والتأمين.
وفي هذا السياق، فإن التقدم الذي أعلنت عنه القوات الحكومية في الساحل الغربي وفي المناطق المطلة على باب المندب لا يمثل مجرد مكسب عسكري محدود، بل يندرج ضمن محاولة أوسع لاستعادة السيطرة على مناطق ذات تأثير مباشر في الأمن البحري. فهذه المواقع تمنح الدولة قدرة أكبر على مراقبة الساحل ومنع استغلاله في تنفيذ عمليات تهدد الملاحة الدولية أو تستهدف السفن التجارية.
كما أن الحد من استخدام الزوارق المفخخة والطائرات المسيرة والألغام البحرية يتطلب وجود قوات شرعية قادرة على تأمين الساحل وممارسة مسؤولياتها الأمنية بصورة فعالة. ومن هنا فإن الأمن البحري لا ينفصل عن مشروع استعادة الدولة، بل يعد أحد نتائجه الطبيعية ومقوماته الأساسية.
المملكة والدعم الشامل لليمن
منذ اندلاع الأزمة اليمنية لم يقتصر الدور السعودي على الجانب العسكري فقط، بل امتد ليشمل المسارات السياسية والإنسانية والاقتصادية والتنموية والأمنية. فقد وقفت المملكة العربية السعودية إلى جانب الحكومة الشرعية، ودعمت مؤسسات الدولة اليمنية، وساندت الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى الوصول إلى حل سياسي ينهي الحرب ويعيد الاستقرار إلى البلاد.
وفي مختلف المراحل أكدت المملكة أن الحل النهائي للأزمة اليمنية يظل حلا سياسيا يستند إلى المرجعيات المعتمدة وقرارات مجلس الأمن، وأن استعادة الدولة اليمنية تمثل ركنا أساسيا لتحقيق الأمن والاستقرار الدائمين.
كما واصلت المملكة تنفيذ برامج إنسانية وإغاثية واسعة دعما للشعب اليمني، وأسهمت في دعم القطاعات الخدمية والتنموية والبنية الأساسية في المناطق المحررة، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الأمن والاستقرار لا يتحققان بالوسائل العسكرية وحدها، وإنما يحتاجان أيضا إلى تنمية اقتصادية وبرامج إعادة إعمار وخدمات تلامس حياة المواطنين اليومية.
وعلى المستوى الأمني والاستراتيجي، تعاملت المملكة مع أمن اليمن باعتباره جزءا لا يتجزأ من أمن الخليج العربي والبحر الأحمر. ولذلك شاركت في تعزيز الجهود الرامية إلى حماية الممرات البحرية الحيوية، ورفعت مستويات التنسيق الدفاعي مع الشركاء الإقليميين والدوليين لمواجهة التهديدات التي تستهدف الملاحة الدولية.
ويجسد الدعم السعودي لعملية فجر اليمن امتدادا لهذا النهج الثابت، حيث تواصل قوات تحالف دعم الشرعية تقديم المساندة العملياتية للقوات الحكومية اليمنية، بالتوازي مع التأكيد السياسي المستمر على دعم مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية في مساعيها الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب
متطلبات بناء الدولة الواقعية
ورغم أهمية النتائج العسكرية المتحققة، فإن مستقبل العملية سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومة اليمنية على تحويل المكاسب الميدانية إلى إنجازات سياسية وإدارية مستدامة. فالتاريخ يؤكد أن النجاح العسكري وحده لا يكفي لبناء الاستقرار ما لم تتوافر منظومة مؤسساتية قادرة على إدارة المناطق المحررة وتقديم الخدمات وتعزيز الأمن وترسيخ سيادة القانون.
كما أن كسب ثقة المواطنين يمثل عنصرا محوريا في أي مشروع وطني لاستعادة الدولة. فالمواطن اليمني يتطلع قبل كل شيء إلى الأمن والخدمات والاستقرار الاقتصادي وتحسين ظروف حياته اليومية، وهي أهداف لا تقل أهمية عن الإنجازات العسكرية.
وفي الوقت ذاته، تبرز الحاجة إلى تعزيز وحدة الصف الوطني وتجاوز الخلافات السياسية والفئوية التي أضعفت معسكر الشرعية خلال مراحل سابقة. فالتحديات التي واجهت الدولة اليمنية لم تكن عسكرية فقط، بل شملت أيضا تباينات سياسية أثرت أحيانا في مستوى التنسيق وتوحيد الجهود.
ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تتطلب خطابا وطنيا جامعا يركز على مفهوم الدولة ومصالح اليمنيين المشتركة، ويعزز الشراكة بين مختلف القوى الوطنية الساعية إلى استعادة الاستقرار وبناء المستقبل.
وفي المقابل، ينبغي النظر إلى التطورات الحالية بواقعية ومسؤولية. فالصراع اليمني من أكثر الصراعات تعقيدا في المنطقة، والجغرافيا اليمنية الصعبة والتركيبة السياسية والاجتماعية المتشابكة تفرضان اعتماد رؤية استراتيجية طويلة النفس، تتعامل مع التحديات بمنهج تراكمي لا يقوم على توقع نتائج سريعة أو حاسمة خلال فترة زمنية قصيرة.
ولذلك فإن نجاح عملية فجر اليمن لن يقاس فقط بما يتحقق في الأسابيع أو الأشهر الأولى، وإنما بقدرتها على تأسيس مسار شامل ومتدرج يقلص قدرات الانقلابيين، ويعزز حضور الدولة، ويدفع في نهاية المطاف نحو عملية سياسية أكثر توازنا وواقعية واستدامة.
ختاماً..
يدخل اليمن اليوم مرحلة مختلفة عن كثير من المراحل التي مر بها خلال سنوات الحرب. فبعد فترة طويلة من الرهان على التهدئة وإدارة الأزمة، تعيد عملية فجر اليمن طرح خيار استعادة المبادرة الميدانية باعتباره مدخلا لإعادة التوازن إلى المشهد السياسي والعسكري
وما تحقق حتى الآن يعكس مؤشرات مهمة على قدرة القوات الحكومية على الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الفعل، ومن الاكتفاء بردود الأفعال إلى السعي نحو صناعة الوقائع الميدانية المؤثرة. غير أن الحكم النهائي على نتائج العملية سيبقى مرتبطا بقدرة الشرعية على تثبيت ما يتحقق ميدانيا وتحويله إلى مشروع دولة قادر على البقاء والاستمرار.
إن دعم الحكومة اليمنية الشرعية وقواتها المسلحة هو دعم لخيار الدولة، ولأمن اليمن واستقراره ووحدة أراضيه، كما أنه دعم لاستقرار المنطقة وأمن الممرات البحرية الحيوية التي ترتبط بها مصالح دول العالم.
وإذا تمكنت الحكومة اليمنية، بمساندة أشقائها وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، من البناء على نتائج هذه العملية وتحويلها إلى مشروع سياسي ومؤسسي متكامل، فقد تكون فجر اليمن بداية تحول استراتيجي طال انتظاره، ليس فقط في مسار الحرب اليمنية، بل في مستقبل الأمن والاستقرار الإقليمي بأسره.

