بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يوافق العاشر من أكتوبر من كل عام، أود أن أتوقف عند قضية مهمة لفتت انتباهي خلال سنوات عملي في الخدمة الاجتماعية الطبية، وتحديدًا من خلال عملي في العيادة الاجتماعية، وتعاملي المباشر مع المرضى وأسرهم، واحتكاكي بأعضاء الفريق العلاجي، ومنهم الأطباء النفسيون والأخصائيون النفسيون.
فقد لاحظت من خلال الممارسة المهنية أن كثيرًا من المشكلات النفسية التي يعاني منها بعض المرضى ترتبط في بداياتها بمشكلات أسرية واجتماعية، وربما بدأت بخلاف بسيط داخل الأسرة، ثم تطورت مع مرور الوقت حتى أصبحت مصدرًا للقلق والتوتر والاكتئاب والمعاناة النفسية.
ومن الحالات التي كنا نتعامل معها في العيادة الاجتماعية، نجد أن بعض المرضى لا تبدأ معاناتهم من مشكلة نفسية مستقلة، وإنما من خلافات زوجية مستمرة، أو تفكك أسري، أو عنف داخل الأسرة، أو إهمال عاطفي، أو سوء معاملة من أحد أفراد الأسرة، أو ضغوط اجتماعية واقتصادية لم يجد المريض من يساعده على تجاوزها.
وقد يأتي المريض إلى العيادة النفسية وهو يشكو من القلق أو الحزن أو اضطرابات النوم أو فقدان الرغبة في ممارسة حياته الطبيعية، وعندما نتعمق في دراسة حالته الاجتماعية والأسرية، نجد أحيانًا أن وراء هذه الأعراض سنوات من الخلافات والمشكلات التي تراكمت دون حلول.
وهنا تظهر أهمية دور الأخصائي الاجتماعي ضمن الفريق العلاجي، فالعلاج لا يقتصر على التعامل مع الأعراض النفسية وحدها، بل يتطلب في بعض الحالات دراسة البيئة الأسرية والاجتماعية التي يعيش فيها المريض، والتعرف على العوامل التي ساهمت في ظهور المشكلة أو استمرارها، والعمل على معالجتها بالتعاون مع بقية أعضاء الفريق العلاجي.
ولا يعني ذلك أن جميع الاضطرابات النفسية منشؤها الأسرة، فهناك عوامل وراثية وبيولوجية ونفسية واجتماعية تتداخل في نشأتها، ولكن ما أود التأكيد عليه من واقع خبرتي المهنية هو أن المشكلات الأسرية قد تكون عاملًا أساسيًا في معاناة كثير من الحالات، وقد تسهم في زيادة حدة الاضطرابات النفسية أو إعاقة التعافي منها.
ولنتأمل حال طفل ينشأ في منزل تكثر فيه المشاجرات بين والديه، أو زوجة تعيش سنوات من الإهانة والعنف، أو زوج يعاني من صراعات أسرية مستمرة، أو شاب يفتقد الاحتواء والتفاهم داخل أسرته. كيف نتوقع أن تكون صحتهم النفسية إذا استمرت هذه الظروف سنوات طويلة دون تدخل أو إصلاح؟
وفي المقابل، نجد أن الأسرة التي يسودها التفاهم والمودة والرحمة والاحترام المتبادل توفر بيئة تساعد أفرادها على الشعور بالأمان النفسي، وتمنحهم قدرة أفضل على مواجهة ضغوط الحياة والتعامل مع مشكلاتهم.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى من مقاصد الحياة الزوجية السكن والمودة والرحمة، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
ومن هنا أرى أن الاهتمام بالصحة النفسية ينبغي ألا يبدأ من العيادات والمستشفيات فقط، بل يجب أن يبدأ من داخل الأسرة، من طريقة تعامل الزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها، ومن أساليب تربية الأبناء، ومن الحوار والتفاهم وحسن المعاملة، ومن القدرة على حل الخلافات قبل أن تتراكم وتتحول إلى معاناة نفسية واجتماعية.
كما أن الوقاية من المشكلات النفسية لا تعني غياب الخلافات الأسرية تمامًا، فلا توجد أسرة تخلو من المشكلات، وإنما تكمن الوقاية في كيفية التعامل مع هذه الخلافات، وعدم السماح لها بأن تتحول إلى صراعات مزمنة تؤثر في صحة أفراد الأسرة واستقرارهم.
وهذا ما يتوافق مع توجهات رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي جعلت بناء مجتمع حيوي يتمتع أفراده بحياة صحية واجتماعية مستقرة من أولوياتها، واهتمت بتعزيز جودة الحياة والرعاية الصحية والروابط الأسرية. ومن وجهة نظري، فإن الاهتمام بالصحة النفسية يبدأ أيضًا من الاهتمام باستقرار الأسرة، والوقاية من المشكلات الزوجية والأسرية، وتعزيز دور الأخصائي الاجتماعي في التدخل المبكر والعلاج الأسري، فكلما كانت الأسرة أكثر استقرارًا وتماسكًا، انعكس ذلك إيجابًا على صحة أفرادها النفسية والاجتماعية، وأسهم في بناء مجتمع أكثر صحة واستقرارًا.
وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، رسالتي إلى كل أسرة: لا تستهينوا بالخلافات المستمرة، ولا بالإهانة والقسوة والإهمال العاطفي، فبعض الجروح النفسية لا تُرى بالعين، ولكن آثارها قد تستمر سنوات طويلة.
وإذا كنا نتطلع في ظل رؤية المملكة 2030 إلى مجتمع حيوي يتمتع أفراده بجودة الحياة والصحة والاستقرار، فعلينا ألا نغفل عن الأسرة، فهي نقطة البداية في بناء الإنسان نفسيًا واجتماعيًا.
فالصحة النفسية لا تبدأ دائمًا من العيادة، بل قد تبدأ من بيت تسوده المودة والرحمة والأمان.

