كتاب الرأي

كيف تدير حياتك كما تدير مشاريعك ؟

نقضي سنوات من حياتنا المهنية نتعلم كيف نضع الخطط، ونحدد الأهداف، ونرتب الأولويات، وندير الوقت والمخاطر، ثم نراجع النتائج بحثًا عن فرص التحسين. ومع ذلك، قد نغادر مكاتبنا وننسى أن أكثر مشاريعنا أهمية ليس موجودًا في جدول عمل أو تقرير أداء، بل هو حياتنا نفسها.

في إدارة المشاريع، لا يبدأ المشروع الناجح بالحركة، بل بالوضوح. نعرف أولًا: ماذا نريد؟ ولماذا نريده؟ وكيف سنصل إليه؟ وربما نحتاج إلى الأسئلة ذاتها في حياتنا. فليست المشكلة دائمًا في قلة الوقت، وإنما في أن نملأ وقتنا بأشياء كثيرة دون أن نسأل إن كانت تقودنا فعلًا إلى الوجهة التي نريدها.

وكما أن لكل مشروع أولويات، تحتاج الحياة أيضًا إلى ترتيب أولوياتها. ليست كل الأمور العاجلة مهمة، وليست كل الأمور المهمة عاجلة. قد ننجح في إنجاز عشرات المهام، بينما نؤجل صحتنا، وعلاقاتنا، وأحلامنا، وراحتنا النفسية، ثم نكتشف أننا كنا ناجحين في إدارة التفاصيل، لكننا لم نمنح الصورة الكبرى الاهتمام الكافي.

وفي المشاريع نتعامل مع المخاطر قبل وقوعها، ونضع خططًا بديلة، ونتقبل أن بعض المسارات تحتاج إلى تعديل. فلماذا نعتبر تغيير خططنا الشخصية فشلًا؟ أحيانًا يكون تغيير المسار دليلًا على النضج، لأن الإنسان لا يعيش بالنسخة نفسها من أفكاره وأولوياته طوال العمر.

كما أن المشاريع تحتاج إلى مؤشرات تقيس تقدمها، نحن أيضًا بحاجة إلى لحظات نتوقف فيها لنسأل أنفسنا: هل أنا أقرب اليوم إلى الإنسان الذي أريد أن أكونه؟ هل ما أفعله ينسجم مع قيمي؟ وهل النجاح الذي أسعى إليه يستحق الثمن الذي أدفعه من وقتي وراحتي؟

لكن هناك فرقًا مهمًا. المشروع يُدار للوصول إلى نهاية محددة، أما الحياة فلا ينبغي أن تتحول إلى قائمة مهام طويلة ننتظر الانتهاء منها. بعض أجمل ما فيها لا يمكن قياسه بمؤشرات الأداء: جلسة هادئة، علاقة صادقة، لحظة امتنان، سفر، قراءة، ضحكة، أو وقت نمنحه لأنفسنا دون شعور بالذنب.

لذلك، ربما تكون الإدارة الجيدة للحياة هي أن نأخذ من إدارة المشاريع وضوح الهدف وانضباط التنفيذ ومرونة التغيير، دون أن نفقد عفوية الإنسان.

فليس النجاح أن تنجز كل شيء، بل أن تعرف ما الذي يستحق أن تنجزه، وما الذي يستحق أن تعيشه، وما الذي يستحق أن تتركه.

أدر وقتك بحكمة، راجع أولوياتك باستمرار، لكن لا تجعل انشغالك بإدارة الحياة يمنعك من أن تعيشها

د. صباح عسيري

باحثة دكتوراة في أساليب القيادة نحو أثر مستدام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى