كتاب الرأي

كي يبقى للبيوت بابٌ آمن… نحو منصة وطنية لشريك الحياة

كانت رحلة البحث عن شريك الحياة تبدأ غالبًا بسؤال بين الأمهات، أو ترشيح من قريب، أو معرفة تطمئن إليها الأسرة. وراء كل اسم حكاية معروفة، ووراء كل خطوة أناس يسألون ويتثبتون ويحرصون. واليوم، تدخل الشاشة إلى هذه المساحة شديدة الخصوصية، ويصبح سؤال المستقبل حاضرًا: كيف نحفظ الطمأنينة حين تتغير الطرق التي يلتقي بها الناس؟

هذا السؤال تثيره بوعي تغريدة الأستاذ أسامة الجامع عن تنامي دور التطبيقات في البحث عن شريك الحياة، وما يستدعيه ذلك من مبادرة تستوعب التحول وتحفظ قيم المجتمع. وهي دعوة تستحق أن تنتقل من مساحة النقاش إلى دراسة مشروع وطني… فالقيم تبقى حاضرة حين يجد الناس وسائل عملية تعينهم على الالتزام بها.

وقد وثقت دراسة أمريكية منشورة عام 2019 في مجلة PNAS صعود التعارف عبر الإنترنت، وتراجع دور الأصدقاء والأسرة بوصفهم وسطاء للتعارف. ومن المهم فهم نتائجها في سياقها: فهي تتناول كيفية التقاء الشركاء، ولا تعني أن النسب المتداولة تمثل عقود زواج أبرمت عبر الإنترنت. كما أن نتائج المجتمع الأمريكي لا تنقل تلقائيًا إلى مجتمعنا، لكنها تدعونا إلى الانتباه إلى قدرة التقنية على تغيير بدايات العلاقات الإنسانية.

أما محليًا، فنحتاج إلى دراسات وطنية ممثلة للمجتمع، تبين كيف يبحث الشباب والفتيات عن شريك الحياة، وما الصعوبات التي يواجهونها، ولماذا يلجؤون إلى التطبيقات. وأرقام التنزيل المتداولة، مهما بدت كبيرة، تحتاج إلى توثيق وتفسير… فالتنزيلات لا تساوى عدد المستخدمين، ولا تكشف وحدها عن جديتهم أو أهدافهم. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى المعرفة الدقيقة ينبغي أن ترافق المبادرة، لا أن تؤجل التفكير فيها.

ومن هنا، أدعو إلى إنشاء تطبيق وطني موثوق لتيسير اختيار شريك الحياة، يرتبط بوزارة سيادية، ضمن شراكة مؤسسية مع الجهات المختصة بالأسرة وحماية البيانات والأمن السيبراني. منصة تجمع سهولة التقنية مع مسؤولية الإشراف، وتمنح الراغبين في الزواج طريقًا واضحًا، يحفظ كرامتهم ويحد من التساهل والتلاعب.

وتبدأ الثقة بالتحقق من الهوية والعمر والحالة الاجتماعية، عبر القنوات الرسمية المصرح بها، وبموافقة صاحب العلاقة، مع إظهار القدر الضروري من نتائج التحقق دون كشف الوثائق والتفاصيل الحساسة. فمن حق الإنسان أن يعرف أن من يتواصل معه شخص حقيقي، وأن المعلومات الأساسية التي يبني عليها قراره قد خضعت للتحقق.

لكن الهوية الموثقة لا تكفي وحدها لإثبات الجدية، ولا تمنح ضمانًا لحسن الخلق أو نجاح الزواج. ولهذا ينبغي أن يتضمن التطبيق قواعد سلوك واضحة، ومسارًا منضبطًا للتواصل، وآليات فعالة للإبلاغ عن التضليل والإساءة والابتزاز، وإجراءات عادلة وسريعة لمعالجة المخالفات. وتبقى المشاورة والسؤال والتثبت مسؤوليات إنسانية لا تؤديها الخوارزميات نيابة عنا.

وفي قلب هذا المشروع يجب أن تقف الخصوصية. فخلف كل ملف شخصي إنسان ائتمن المنصة على جانب بالغ الحساسية من حياته. صورته، وظروفه، ورغبته في الزواج، وتجاربه السابقة، ليست مادة للتداول أو الإعلان. ينبغي أن يحدد بنفسه ما يظهره، ولمن، وفي أي مرحلة، وأن يكون الإفصاح تدريجيًا وقائمًا على القبول المتبادل.

والارتباط بجهة سيادية ينبغي أن يترجم إلى حماية قابلة للمساءلة: جمع الحد الأدنى من البيانات، وتقييد صلاحيات الوصول، وتدقيق الاستخدام، وتحديد مدد الاحتفاظ، ومنع البيع والاستهداف التجاري. فالشعار الرسمي يبعث على الثقة، وتستحق هذه الثقة إجراءات واضحة تصونها كل يوم.

أما الأسرة، فيمكن أن يكون لها حضور متجدد داخل هذا التحول. فقد تساعد المنصة في توسيع فرص التعارف الجاد، ثم تتيح انتقالًا منظمًا إلى التواصل الأسري، وفق موافقة الأطراف وبما يراعي المتطلبات الشرعية والنظامية. وهكذا تستمر خبرة الأهل وحرصهم في أداء دورهما، مع احترام حق الأبناء والبنات في الاختيار والقبول والاعتذار.

ولكي ينجح البديل الوطني، يجب أن يكون جديرًا بالاستخدام: سهلًا، محترمًا، واضح الإجراءات، وقريبًا من احتياجات الناس. فالتعقيد قد يدفع المستخدم إلى خيارات أقل أمانًا، والمبالغة في طلب المعلومات قد تنفره، والوعود المثالية قد تخدعه. المطلوب تجربة تحفظ التوازن بين التيسير والحماية، وتقدم إرشادًا يساعد على فهم المسؤوليات والتوقعات قبل الارتباط.

كما ينبغي أن نتجاوز اختزال الناس في صور ومؤشرات وترتيبات للجاذبية. يستطيع التطبيق أن يقترح مجالات للتوافق، وأن يفتح حوارًا حول القيم وأسلوب الحياة، لكنه لا يملك أن يحكم على قيمة إنسان، أو أن يعد اثنين بالسعادة. ويجب أن يبقى الاعتذار حقًا محترمًا، والانسحاب ممكنًا، دون تشهير أو تقييمات علنية تمس الكرامة.

إن مصدر القلق الحقيقي هو أن تتشكل هذه المساحة الحساسة وفق مصالح لا تضع استقرار الأسرة وخصوصية أفرادها في المقدمة. وتكون استجابتنا الأجدى بتقديم بديل يستحق الثقة، ويبرهن أن المحافظة على القيم تستطيع أن تقترن بالابتكار، وأن المجتمع قادر على تطوير أدواته وهو متمسك بما يمنح حياته معناها.

قد تتغير وسيلة اللقاء، لكن الحاجة إلى الصدق والأمان والسكينة ستبقى. ومن مسؤوليتنا أن نجعل الطريق إلى الزواج أرحم بالناس، وأوضح لهم، وأشد صونًا لأسرارهم.

فلنبن منصة يجد فيها الباحث عن شريك الحياة فرصة كريمة، وتجد فيها الأسرة موضعًا لخبرتها، ويجد فيها الجميع ما يطمئنهم أن أول الطريق إلى البيت… باب آمن.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى