كتاب الرأي

كيف نستقطب الجدارات من خارج المساهمين؟ نحو مجالس إدارة أكثر تنوعاً وكفاءة

تعيش شركات ضيافة حجاج بيت الله الحرام مرحلة تحول مهمة… فلم تعد مسؤوليتها تقتصر على إدارة موسم ناجح، بل أصبحت مطالبة ببناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة، قادرة على التطوير والاستثمار والابتكار، مع المحافظة على الغاية الأسمى: خدمة ضيف الرحمن بأعلى مستويات الجودة والكفاءة والكرامة.

ومن هنا تبرز قضية تستحق النقاش… إذا كانت الأطر المنظمة تتيح، بحسب ما ينطبق على كل شركة، الاستفادة من الكفاءات والجدارات من خارج شريحة المساهمين، فكيف نحول هذه الإمكانية إلى ممارسة مؤسسية حقيقية؟ وكيف نصل إلى أصحاب الخبرات النوعية ونرشحهم في ظل تزاحم أعداد كبيرة من المرشحين من المساهمين؟

المشكلة ليست في قلة الكفاءات، وإنما في غياب المسار المنظم للوصول إليها واستقطابها.

من «من يريد الترشح؟» إلى «من تحتاج إليه الشركة؟»

في النموذج التقليدي، تبدأ العملية بإعلان الترشح، ثم تتقدم الأسماء، ثم تتم المفاضلة بينها. لكن هذا النموذج قد لا يكون كافيًا لبناء مجلس إدارة متكامل؛ لأن من يتقدم للترشح ليس بالضرورة ممثلًا لجميع الخبرات التي تحتاج إليها الشركة.

لذلك، ينبغي قلب المعادلة.

بدلًا من أن نبدأ بالسؤال:

مَن يرغب في الترشح؟

نبدأ بالسؤال الأكثر أهمية:

ما الجدارات التي تحتاج إليها الشركة خلال السنوات المقبلة… ومن يمتلكها؟

هذا التحول البسيط في السؤال ينقلنا من انتخابات أشخاص إلى بناء مجلس إدارة وفق الاحتياج الاستراتيجي.

ابدأوا بمصفوفة الجدارات… لا بقائمة الأسماء

قبل فتح باب الترشيح، ينبغي تحديد الصورة المثالية لمجلس الإدارة المقبل من خلال مصفوفة للمهارات والجدارات مرتبطة باستراتيجية الشركة.

فإذا كانت الشركة تستهدف تنويع مصادر دخلها، فهي تحتاج إلى خبرة في الاستثمار وتنمية الأعمال والاستدامة المالية.

وإذا كانت تتجه إلى التحول الرقمي، فهي تحتاج إلى خبرة في التقنية والبيانات والذكاء الاصطناعي.

وإذا كان التحدي في رفع كفاءة العمليات، فهي تحتاج إلى خبرات في الضيافة، والنقل واللوجستيات، وإدارة الحشود، والجودة والسلامة.

وقد تشمل المصفوفة مجالات مثل الحوكمة وإدارة المخاطر، والاستثمار والتمويل، والاستراتيجية، والضيافة، والتقنية، وتنمية الأعمال والشراكات، والاستدامة، وإدارة رأس المال البشري.

وبذلك يصبح اختيار الكفاءة الخارجية استجابةً لفجوة حقيقية في المجلس، وليس مجرد إضافة اسم من خارج المساهمين.

لجنة للترشيحات والجدارات

من المناسب أن تتولى لجنة مختصة، وفق ما تسمح به الأنظمة واللوائح ذات الصلة، مهمة تحديد الفجوات والبحث عن الكفاءات وتقييمها وفق معايير معلنة.

والأهم أن تكون مهمتها الاستقطاب النشط، لا انتظار طلبات الترشح فقط.

فالكفاءات المتميزة غالبًا لا تبحث عن المقاعد، وقد لا تعلم أصلًا بوجود فرصة للمشاركة. ولذلك ينبغي أن تصل الشركة إليها عبر قواعد بيانات مهنية، والجامعات، والهيئات المهنية، وبيوت الخبرة، والقطاعات الاقتصادية ذات العلاقة، وشبكات القيادات التنفيذية.

يمكن كذلك إنشاء بنك للجدارات يضم أصحاب الخبرات المؤهلة للاستفادة منهم مستقبلًا في مجالس الإدارات واللجان المتخصصة.

مساران… ومعيار واحد

يمكن أن تكون عملية البحث عن المرشحين عبر مسارين متوازيين:

المساهمون + الكفاءات من غير المساهمين

لكن ينبغي أن يلتقي المساران عند نقطة واحدة:

الجدارة.

فلا ينبغي تخفيض المعايير للكفاءة الخارجية لأنها من خارج الشركة، ولا إضعاف فرصة المساهم الكفء لمجرد الرغبة في إضافة عضو خارجي.

الجميع يقيمون وفق معايير مهنية واضحة: الخبرة، والإنجاز، والاستقلالية، والنزاهة، والمعرفة القطاعية، والقدرة على اتخاذ القرار، والفهم المالي، والاستراتيجية، والابتكار، والعمل الجماعي، والقيمة التي سيضيفها المرشح إلى المجلس.

المعيار ليس: من أين جاء المرشح؟ بل: ماذا سيضيف؟

كيف نتجنب ضياع الكفاءات الخارجية وسط زحام المرشحين؟

هذه هي النقطة الأكثر حساسية.

إذا أُضيفت أسماء الكفاءات الخارجية ببساطة إلى قائمة طويلة من المرشحين، فقد تتحول الميزة التي أتاحتها الأطر المنظمة إلى إمكانية نظرية لا تتحقق عمليًا.

لذلك، من المهم وجود مسار مؤسسي واضح قبل مرحلة الاختيار النهائي يبدأ بتحديد الاحتياج، ثم البحث والاستقطاب، والتحقق من المؤهلات والسجل المهني والاستقلالية وتعارض المصالح، ثم التقييم بمصفوفة الجدارات، وإجراء مقابلات مهنية، وصولًا إلى قائمة مختصرة من أصحاب الكفاءة، قبل استكمال الإجراءات النظامية المعتمدة للترشيح والاختيار.

أي:

استراتيجية الشركة ← فجوات المهارات ← مصفوفة الجدارات ← البحث والاستقطاب ← التقييم المستقل ← القائمة المختصرة ← الإجراءات النظامية للاختيار ← مجلس متوازن ومتكامل

نبحث عن «الجدارة المفقودة» لا «المقعد الشاغر»

الهدف من استقطاب غير المساهمين ليس زيادة عدد المرشحين، وإنما إضافة ما ينقص المجلس.

فإذا كان المجلس غنيًا بالخبرة التشغيلية لكنه يفتقر إلى الاستثمار، نبحث عن خبير استثماري.

وإذا كان يمتلك خبرة مالية قوية لكنه يفتقر إلى التحول الرقمي، نبحث عن متخصص في التقنية والبيانات.

وإذا كان مستقبل الشركة يعتمد على تنويع مصادر الدخل، فقد تكون الأولوية لخبير في تنمية الأعمال، والاستثمارات، والشراكات الاستراتيجية، وإدارة الأصول، والاستدامة المالية.

هذه هي فلسفة المجالس الحديثة: التكامل لا التكرار.

ويمكن أن تبدأ الاستفادة قبل عضوية المجلس

ليس كل خبير متميز بالضرورة مرشحًا لعضوية مجلس الإدارة.

فمن الممكن، وفق الأطر النظامية والحوكمية المعمول بها، الاستفادة من بعض الخبرات النوعية في اللجان المتخصصة أو المجالس الاستشارية أو المشروعات الاستراتيجية، بما يوسع قاعدة المعرفة المتاحة للشركة ويتيح التعرف إلى أصحاب الكفاءات واختبار القيمة التي يضيفونها.

وهكذا تبني الشركة منظومة مستمرة لاستقطاب العقول، بدل أن تبدأ رحلة البحث عن الكفاءات مع كل دورة انتخابية وتنتهي بانتهائها.

لا مساهم ضد غير مساهم

من المهم ألا يفهم هذا الطرح باعتباره مفاضلة بين المساهم وغير المساهم.

فالمساهمون أنفسهم يمثلون رصيدًا مهمًا، وبينهم أصحاب خبرات وكفاءات وجدارات عالية، كما أنهم الأكثر ارتباطًا بمصالح الشركة ونجاحها.

لكن الحكمة المؤسسية تقول: نستفيد من أفضل ما لدينا في الداخل، ونستقطب ما نحتاج إليه من الخارج.

فالغاية ليست أن يفوز المساهم أو غير المساهم… بل أن تفوز الشركة بأفضل مجلس ممكن.

من تمثيل المساهمين إلى صناعة مجلس للمستقبل

مجلس الإدارة الناجح ليس مجموعة من الأسماء المتميزة فحسب، بل فريق قيادة تتكامل داخله المعارف والخبرات.

عضو يفهم اقتصاديات الحج والضيافة، وآخر الاستثمار والاستدامة المالية، وثالث الحوكمة والمخاطر، ورابع التقنية والذكاء الاصطناعي، وخامس تنمية الأعمال والشراكات، مع خبرات راسخة في خدمة ضيوف الرحمن.

عندها تصبح قيمة المجلس أكبر من مجموع أفراده.

وهذا ما تحتاج إليه شركات ضيافة حجاج بيت الله الحرام في المرحلة المقبلة: مجالس لا تدير الحاضر فقط، بل تستشرف المستقبل؛ لا تحافظ على الموارد فقط، بل تنميها؛ ولا تكتفي بنجاح الموسم، بل تبني مؤسسات مستدامة تعمل وتنتج القيمة على مدار العام.

الخلاصة

إذا أُتيحت للشركات إمكانية الاستفادة من الكفاءات والجدارات من خارج المساهمين، فإن القيمة الحقيقية تكمن في إيجاد آلية شفافة ومنظمة لاكتشاف هذه الكفاءات والوصول إليها وتقييمها واستقطابها.

ولعل المعادلة التي نحتاجها بسيطة:

نحدد ما تحتاج إليه الشركة أولًا، ثم نبحث عن أفضل من يستطيع تقديمه، سواء كان مساهمًا أم غير مساهم.

فالكفاءة لا ينبغي أن يحدها سجل المساهمين، والجدارة لا ينبغي أن تضيع وسط زحام الأسماء.

وفي مؤسسات تحمل شرف خدمة حجاج بيت الله الحرام، يجب أن يبقى المعيار أرفع من المنافسة على المقاعد:

نبحث عن الكفاءة حيثما كانت، ونستقطب الجدارة أينما وجدت، ونبني مجلسًا تتكامل فيه الخبرات: لأن الغاية ليست ملء المقاعد… بل صناعة مستقبل الشركة، وحماية مصالح مساهميها، والارتقاء المستدام بخدمة ضيوف الرحمن.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى