كتاب الرأي

حين تنهض الروح من عثرتها… وقفات مع خطبة الشيخ فيصل غزاوي بالحرم المكي


في رحاب المسجد الحرام، حيث تتجه القلوب إلى الله، جاءت خطبة فضيلة الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي لتفتح في النفس بابًا قد نغفل عنه ونحن ننشغل بأبواب الحياة: باب المحاسبة. ماذا قدمنا؟ وماذا تعلمنا؟ وأين نحن من أخطائنا التي تتكرر، ومن العبر التي تمر أمام أعيننا ثم تمضي دون أن تغيّر فينا شيئًا؟

إنها أسئلة توقظ الضمير، وتعيد الإنسان إلى مسؤوليته عن قلبه وقوله وعمله. فما أحوجنا، وسط ضجيج الأيام، إلى لحظة صدق نرى فيها أنفسنا بوضوح؛ نعترف بالتقصير، ونراجع المسير، ونستمد من تقوى الله قوة الرجوع إليه.

ومن أعمق المعاني التي حملتها الخطبة تذكيرنا بحقيقة ضعفنا البشري. نحن نتأثر بالهوى، وتستفزنا الشهوة، ويغلبنا الغضب، وقد نرى أعمالنا بعين الرضا حين تحتاج إلى عين المراجعة. وإدراك هذا الضعف يجعلنا أشد حاجة إلى الاستعانة بالله، وأكثر تواضعًا في الحكم على أنفسنا وعلى الآخرين.

فالإنسان قد يعثر، لكن العثرة تصبح أشد خطرًا حين يألفها، وحين يحشد لها الأعذار حتى يطمئن إليها. وقد يبدأ الخطأ بكلمة، ثم يكبر بالإصرار؛ وقد تقع الإساءة في لحظة غضب، ثم يطيل عمرها كبرياء يمنع الاعتذار. وهنا تتجلى قيمة المحاسبة: أن نوقف الخطأ قبل أن يتحول إلى عادة، وأن نسترد زمام أنفسنا قبل أن تقودنا إلى ما نندم عليه.

كم من علاقة كان يمكن إنقاذها باعتذار صادق، وكم من حق كان يمكن رده باعتراف شجاع، وكم من خصومة كان يمكن إطفاؤها لو قدّم الإنسان رضوان الله على انتصار نفسه! إن الرجوع إلى الحق يحتاج إلى قوة داخلية؛ قوة تجعلنا نقبل أن تتغير مواقفنا حين يتبين الصواب، وأن نصلح ما أفسدناه حين ندرك أثر أفعالنا.

وفي هذا المعنى، تحمل الخطبة أملًا عميقًا لكل من أثقلته أخطاؤه. ما دام القلب يقظًا، فالرجوع ممكن، وما دام الإنسان مستعدًا للإصلاح، فللعثرة أن تكون بداية وعي جديد. والندم الصادق يثمر حين يتبعه إقلاع، وردّ للحقوق، وعزم على ألا يتكرر الأذى. هكذا يصبح الاعتراف بالتقصير خطوة في طريق الاستقامة.

ثم تأخذنا الخطبة إلى مدرسة الاعتبار؛ إلى ما نسمعه ونراه من أحوال الناس، وإلى قصص القرآن التي تربي فينا بصيرة تتجاوز ظاهر الأحداث إلى معانيها وعواقبها. فالعاقل يتعلم من تجارب غيره، ويرى في مصائرهم ما يستحق التأمل قبل أن يختبر الألم بنفسه.

وجاء التذكير بقصة أصحاب الفيل ليكشف عاقبة العدوان على حرمات الله، وضلال القوة حين يغريها بطشها. ففي تلك القصة عبرة باقية: كثرة العُدّة لا تمنح الباطل حقًا، وضخامة التدبير لا تضمن لأهله بلوغ مرادهم. ومن يستحضرها يتعلم أن يعظم حرمات الله، وأن يزن مقاصده وأعماله بميزان الحق، مهما اتسعت قدرته أو علا شأنه.

غير أن العبر، على كثرتها، تحتاج إلى قلب يقبلها. قد يسمع الإنسان موعظة تهزه لحظات، ثم يعود إلى ما كان عليه؛ وقد يرى عاقبة الظلم، ثم يظلم حين تتاح له الفرصة؛ وقد يتألم من قسوة الآخرين، ثم يقسو على من هم أضعف منه. ولذلك فإن ثمرة الاعتبار تظهر في السلوك: في كلمة نكفّ عنها، وحق نؤديه، وقرار نراجعه، وأذى نرفعه.

ومن هنا تصبح محاسبة النفس عملًا يوميًا قريبًا من تفاصيل حياتنا. نحاسبها على كلمة كتبناها، وخبر نشرناه قبل التثبت، ووعد لم نفِ به، وإنسان قسونا عليه. ونحاسبها كذلك على الفرص التي أضعناها لفعل الخير؛ فقد يكون تقصيرنا في باب نستطيع أن نفتحه لإنسان، أو في مواساة نملكها ثم نبخل بها.

وفي ختام الخطبة، برز التذكير بصفاء التوحيد، وبخطر الغلو الذي يفضي إلى التكفير بغير برهان واستباحة الدماء والأموال. وهما معنيان يستحقان أن يبقيا حاضرين في وعينا: تعظيم حق الله في العبادة، وتعظيم ما حرّمه من الظلم والعدوان. وحين يضبط الإنسان تدينه بالعلم والعدل، يصون إيمانه من الانحراف، ويصون الناس من أذى التسرع والجهل.

إن هذه الخطبة تدعونا إلى شجاعة هادئة: شجاعة الوقوف أمام النفس بلا تزيين، والرجوع إلى الله بلا تسويف، والنظر في أحوال الآخرين بعين تتعلم وتعتبر. وهي تذكرنا بأن صلاح الإنسان يبدأ من داخله، ثم يظهر في أمانته، ورحمته، وعدله، وحفظه للحقوق.

فلنخرج من الموعظة بخطوة نستطيع الوفاء بها: مظلمة نردها، أو إساءة نعتذر عنها، أو عادة نتركها، أو عبادة نعود إليها بقلب حاضر. فالكلمات تبلغ غايتها حين تغيّر شيئًا في حياتنا، والعبرة تحيا حين تصبح عملًا.

اللهم ارزقنا قلوبًا تتعظ، ونفوسًا تراجع، وبصائر تهتدي؛ وأعنّا على إصلاح تقصيرنا، ورد الحقوق إلى أهلها، والثبات على الحق. واجعل لنا من كل عبرة نورًا، ومن كل مراجعة رشدًا، ومن كل رجوع إليك بداية خير.

أ.د. عصام بن إبراهيم أزهـر

رئيس وحدة الكائنات المعدية مركز الملك فهد للبحوث الطبية جامعة الملك عبد العزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى