بمثل هذه الكلمات المؤثرة خاطبني إمام وخطيب جامع القريقري بجدة، وهو يتحدث عن المشهد الاستثنائي الذي شهده الجامع في الصلاة على الشهيد الكابتن حمود الكلثمي حين قال مؤذن الجامع قبل إقامة صلاة العصر إن الدور الثاني والقبو مفتوحان لاستيعاب جموع المصلين الذين توافدوا للصلاة عليه.
قالها لي وقال غيرها بعد الصلاة عليه عصراً ،، حيث عدت إليه وإلى المؤذن بعد مشاركتنا، والآلاف من المصلين، في نقل الجثمان ،، بعد أن وجدت المئات قد حملوا النعش، عدت لأتساءل عن سبب ذلك الإعلان ،، خصوصًا أنني كنت في الصف الأول ولا أعلم من بالخلف ،، فكان الرد من كليهما ومن مساعد خدمات الجامع،، أن ما حدث مشهد لا يتكرر في العادة إلا في صلاة العيدين أو في صلاة الجمعة حين تكتظ جنبات الجامع بالمصلين،،، وكانوا ثلاثتهم في عجب (ما سر هذه الألوف من المصلين في موقف لم يحدث من قبل)؟
شاهدت الشاشات، فوجدت أن الحضور كان بالآلاف ،، مسؤولين وموظفين وعمالًا وطلابًا ومهندسين وطيارين اجتمعوا في مشهد مهيب توحدت فيه القلوب قبل الصفوف، وجمعتهم مشاعر الحزن والدعاء والوفاء لشاب رحل عن الدنيا وهو يؤدي واجبه ،، وما كان مُلفتاً تواجد معالي مدير عام الخطوط السعودية من قبل صلاة العصر بحوالي ثلث ساعه هو وكبار مسؤولي السعودية.
ماذا بينك وبين الله يا حمود؟ ،، سؤال تختصر فيه الكلمات مشهدًا أكبر من أن تصفه العبارات و تختلط فيه مشاعر الفقد بعظمة الموقف ،، ويقف المرء أمامه متأملًا في الأثر الطيب الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين وفي المحبة التي يزرعها في القلوب دون أن يدرك مقدارها.
ورغم قلة لقاءاتي به فإنها كانت كافية لتكوين صورة حقيقية عن شخصيته وأخلاقه النبيلة، وهي الصورة التي يجمع عليها كل من عرفه عن قرب ،، (وقد تكون لديهم جزء من الإجابة عن سؤال): «ماذا بينك وبين الله يا حمود؟!»، ومنها كفالة الأيتام من أبناء أخته، التي توفي زوجها، رحمه الله، قبل عدة سنوات وتكفل باولئك الأيتام اضافة الى احترامه للآخرين،،، ولكنني أعتقد أن الجزء الأكمل من الإجابة عن ذلك التساؤل قد يكون عند والديه وإخوانه وأقاربه الذين يعرفون حمودًا ويعرفون ما لا تعرفه عنه بقية الناس من مواقف وخصال وأعمال، فضلًا عما كان يعمله سرًّا، والله أعلم به.
سبحان الله حدثٌ غريب لا يتكرر (من رتبة كابتن إلى منزلة الشهادة بإذن الله!) فبالأمس القريب كان الجميع يهنئون حمودًا بترقيته إلى منصب كابتن طيار بعد أن أمضى فترة من خدمته في مهام مساعد طيار، مُحققًا خطوة مهمة في مسيرته المهنية، وواصلًا إلى رتبة طالما تطلع إليها الطيارون، ولا ينالها إلا من اجتاز متطلباتها واستحقاقاتها.
كنا نهنئه يومها بمنصب دنيوي مستحق ويفرح أهله وأصدقاؤه وزملاؤه بما حققه من نجاح وتقدم واليوم نهنئه بمنصب أُخروي أعلى من كل مناصب الدنيا،، وهو منصب شهيدٌ بإذن الله.
رحل حمود شابًّا في مقتبل العمر، لكنه ترك وراءه سيرةً تستحق أن تُروى وذكرى تستحق أن تُحفظ وأثراً شاهداً على أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد سنوات عمره فحسب بل بما يقدمه وبما يتركه في نفوس الناس من محبة وتقدير.
لقد استُشهد، بإذن الله، في ميدان أداء الواجب وهو يباشر عمله مع زملائه الطيارين في هذه الفترة التي تمر بها المنطقة ، وإخوانه السعوديون من الجنود على الحدود وجميعهم هدفهم خدمة دينهم ومليكم ووطنهم،، وكلٌّ يخدم في مهام عمله ،،، فكم من معتمر من الركاب صاحبه في رحلاته، وكم من مريض وراكب سافر للقاء أهله وأحبابه.
استُشهد، بإذن الله، وهو تحت طائرته، يقوم بمهام التأكد من جاهزيتها، وهي مهمة Walk Around، (كما تُسمى في عُرف الطيران)، ويؤدي عملًا يرتبط ارتباطًا مباشرًا بسلامة الركاب.
وفي ميدان هذا الواجب، وفي المطار وتحت الطائرة انتهت رحلة حمود في الدنيا، لكنه ترك لنا معنى عميقًا عن الإخلاص للمهنة والالتزام بالمسؤولية والتفاني في خدمة الآخرين.
لم يكن يعلم، وهو يباشر مهامه، أن تلك الجولة التفقدية ستكون آخر ما يؤديه في حياته، وأن اسمه سيغدو حاضرًا في دعوات الآلاف ،، وأن رحيله سيجمع حول ذكراه هذا العدد الكبير من المحبين والزملاء والمواطنين والمقيمين. فمن شاهد استقبال جثمان الكابتن الشهيد حمود يوم التاسع من أكتوبر 2026م في مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة، وأنا منهم بحكم ما يربطنا بهذه الأسرة العريقة،، أدرك أن الفقد لم يكن مقتصرًا على أسرته وأقاربه بل امتد إلى محيطه المهني والإنساني الواسع في مشهد حضره الكثير والكثير.
قبل الختام:
ماذا بينك وبين الله يا حمود؟ هذا السؤال الذي كان شاهدًا له (رحمه الله) في المطار والجامع والمقبرة والعزاء ،، فلم يكن سؤالًا يُطرح من شخص واحد !!! بل من كل من حضر وشاهد ،، بالفعل ماذا بينك وبين الله يا حمود حتى تتسع لك قلوب كل هؤلاء من هذا المجتمع المترابط، ومن كافة المستويات، من أصحاب السمو الملكي وأصحاب السمو والمعالي، ورجال الأعمال والموظفين والعمال والطلاب والأصدقاء والزملاء من الطيارين والمهندسين وغيرهم، الذين توافدوا على العزاء طوال الأيام الثلاثة في نادي الخطوط السعودية، التي تكفلت مشكورةً بكل شيء؟
فما حدث هو رسالة وفاء من القيادة الحكيمة حفظهم الله ممثلةً في سمو نائب أمير منطقة مكة المكرمة وسمو محافظ جدة وعدد من الوزراء وأصحاب المعالي ومنهم معالي مدير عام الخطوط السعودية الذي شارك الصلاة عليه والعزاء وفريق عمله المتمكن الذين تواجدوا طوال الأيام الأربعة مع توافد مختلف أطياف المجتمع من مواطنين ومقيمين لتقديم العزاء ،، كل ذلك كان من المشاهد التي لا تُنسى.
ختامًا نقول:
حين تشهد المحبة قبل الكلمات، فلا نقول وداعًا بل نقول إلى لقاء قريب بإذن الله في افتتاح المبادرة التي قام بها أصحابه وزملاؤه وربعه (ولازالوا يتبرعون عبر المنصه) اضافة الى أشخاص من محبي وأهل الخير قد لا يعرفونه ، ولكنهم يعلمون مدى الأجر والمنفعة عند الله من ذلك ،، حيث تتمثل تلك المبادرة في بناء مسجد لخدمة الحجاج والمعتمرين، من خلال جمعية العناية بمساجد الطرق تحت مظلة منصة إحسان،،، وهي المبادرة التي نتمنى أن تكتمل قريبًا.
رحمك الله يا حمود، وجبر مصاب والديك واخوانك وزوجتك وبناتك وأقاربك وزملائك وأصدقائك، وجعل ذكراك الطيبة عزاءً لهم وألهم الجميع الصبر والسلوان.
والسلام ختام.
• جدة



