وليس الروض إلا البستان الذي امتلأ زهرا ونضرة، وليس الأريج إلا العطر إذا فاح وانتشر. فإذا قلنا الروض الأريج، فإنما نعني البستان الذي طاب هواؤه وفاح شذاه، فلا تمر به إلا وعلق بك طيبه. وكذلك العود الأصيل، هو روض بذاته، إذا حضر فاح، وإذا غاب بقي أثره، فسمينا مقالنا هذا به ليكون على مسمى.
قالوا في أمثالهم: العود الأصيل ما تزيده النار إلا طيبا، وهذه هي الأصالة في أبهى صورها، فالذهب لا تزيده النار إلا صفاء، والعود لا تزيده النار إلا بخورا، وكذلك الرجل الأصيل لا تزيده الشدائد والمحن إلا رفعة وثباتا ونقاء معدن.
وقالوا: العود من أول رشة، والأصيل يعرف من أول وهلة، لا يحتاج إلى تعريف ولا إلى تزيين، لأن الأصالة تسبق صاحبها، كما يسبق عطر العود بخوره، فتعرفه قبل أن تراه.
وقالوا: ما يفوح العود لين يحترق، وما يظهر الرجال إلا عند الشدائد، فالنار هي المحك، والمحنة هي الميزان، بها يسمو الأصيل ويعلو الثابت الراسخ.
وقالوا: العود الأصيل يثبت، فلا يزول عطره سريعا ولا يتبخر بخوره، ويثبت في الثوب، ويثبت في المجلس، ويثبت في الذاكرة. كذلك الرجل الأصيل يثبت في الموقف، ويثبت عند العهد، ويثبت حين يميل غيره.
وقالوا: العود الأصيل ما يبخل بدهنه، فهو كريم بطبعه، فياض بعطائه، يعطي من طيبه بلا منة، ويجود بعطره بلا مقابل، وتلك شيمة الأصلاء، كرم بلا حدود، وعطاء بلا حساب.
فمن هنا كانت الأصالة هي البقاء والخلود، فالأصيل هو الذي يبقى ذكره، ويخلد أثره، ويدوم طيبه، فالمواقف الأصيلة هي التي تدوم. يبقى العود ويبقى أريجه، ويبقى الأصيل وإن رحل، لأن الروض الأريج وإن ذبل زهره، بقي أريجه عالقا في الذاكرة، لا يزول خالدا للأبد بتوفيق الله رب العزة والجلال.

