كتاب الرأي

الدجاج في الحياة الزوجية

قد يستغرب بعض القراء من عنوان هذا المقال، وربما يقول أحدهم: ما علاقة الدجاج بالحياة الزوجية؟ وهل أصبح الدجاج سببًا في نجاح الزواج أو فشله؟ وربما يعتقد آخر أن الكاتب كان جائعًا أثناء كتابة المقال، فاختلطت عليه الأمور!

ولكن قبل أن نحكم على العنوان، دعونا نتحدث قليلًا عن الدجاج.

فالدجاج ضيف شبه دائم على موائد كثير من الأسر، ومع ذلك قد يكون أحيانًا سببًا في خلاف زوجي! فالزوج يريد الدجاج مشويًا، والزوجة تريده مقليًا، والزوج يحب الكبسة، والزوجة تفضل المندي، وإذا سألت الزوجة زوجها: ماذا تريد أن أطبخ اليوم؟ قال لها: أي شيء من يدك حلو. فإذا أحضرت له الطعام، قال: ما كان عندك شيء غير هذا؟

وهنا تبدأ المشكلة، ليس بسبب الدجاج المسكين الذي لا ذنب له، وإنما بسبب طريقة الحوار بين الزوجين!

وقد تسأل الزوجة زوجها: ما رأيك في الطبخة؟ فيجيب بكل صراحة: الملح ناقص قليلًا. فتغضب وتقول: يعني طبخي ما يعجبك؟ وإذا قال: الطبخة ممتازة، قالت: تجاملني، قل الصراحة!

وهكذا يجد الزوج نفسه أمام اختبار صعب، لا يعرف هل المطلوب منه تقييم الطبخة أم المحافظة على السلام الأسري!

والآن، بعد أن تحدثنا عن الدجاج بما فيه الكفاية، حان الوقت لكشف سر العنوان.

نعم، لقد تعمدت كتابة كلمة «الدجاج» بدلًا من «النجاح»، ليس بسبب خطأ مطبعي، وإنما لجذب انتباه القارئ إلى موضوع مهم، وهو النجاح في الحياة الزوجية.

والحقيقة أن هناك علاقة بين الدجاج والنجاح الزوجي، ليس من الناحية الغذائية، وإنما من ناحية التعامل مع التفاصيل اليومية الصغيرة التي قد تتحول إلى مشكلات كبيرة إذا غاب التفاهم والحوار.

فالنجاح في الحياة الزوجية لا يعني أن يتفق الزوجان على كل شيء، حتى على نوع الدجاج وطريقة طبخه، وإنما يعني أن يعرف كل منهما كيف يتعامل مع اختلاف الآخر دون أن تتحول الحياة الزوجية إلى ساحة معركة.

ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الأزواج أن كل طرف يريد أن تكون كلمته هي الأخيرة، وكأن الحياة الزوجية مباراة لا بد أن يكون فيها فائز وخاسر، مع أن الزوجين إذا خسرا المودة والاحترام فقد خسرا معًا، حتى لو انتصر أحدهما في النقاش.

وقد نجد زوجين يختلفان على أمور بسيطة، ثم يتصالحان ويضحكان على ما حدث، بينما نجد زوجين آخرين يبدأ خلافهما على وجبة غداء، وينتهي بفتح ملفات قديمة تعود إلى سنوات مضت، وربما يصل النقاش إلى يوم الزواج نفسه!

وهنا تظهر أهمية النضج الزوجي، فليس كل موقف يستحق الغضب، وليس كل كلمة تحتاج إلى رد، وليس كل خلاف يحتاج إلى تدخل الأهل والأقارب.

والحياة الزوجية الناجحة تقوم على المودة والرحمة والاحترام والتقدير والتسامح، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

ومن المهم أن يدرك الزوجان أن السعادة الزوجية لا تتحقق بكثرة المال أو فخامة المنزل أو تنوع الأطعمة، وإنما تتحقق بحسن المعاملة وراحة النفس والشعور بالأمان والاهتمام المتبادل.

فالزوجة لا تحتاج دائمًا إلى الهدايا الثمينة بقدر حاجتها إلى كلمة طيبة وتقدير لجهودها، والزوج كذلك يحتاج إلى الاحترام والاهتمام والتقدير، وكلاهما يحتاج إلى أن يشعر بأنه محبوب ومرغوب ومقدر داخل بيته.

ومن أجمل ما يمكن أن يتعلمه الزوجان فن التغافل، فبعض الأمور من الأفضل أن تمر دون تعليق، وبعض الأخطاء يكفيها ابتسامة، وبعض الخلافات تنتهي بكلمة لطيفة بدلًا من محاضرة طويلة.

وفي الختام، أعتذر للدجاج الذي جعلته عنوانًا لمقال عن الحياة الزوجية، فقد تحمل ما لا علاقة له به، ولكنني أردت أن أوصل رسالة بسيطة، وهي أن نجاح الزواج يبدأ من حسن التعامل مع التفاصيل الصغيرة قبل المشكلات الكبيرة.

فلا تجعلوا خلافًا على طبق دجاج يفسد المودة بينكما، وتذكروا أن الدجاج يمكن تعويضه بوجبة أخرى، أما المودة إذا ضاعت فقد يصعب تعويضها.

والأهم من ذلك كله، إذا سألتك زوجتك عن رأيك في الطبخة، ففكر جيدًا قبل الإجابة، فربما يكون مستقبل الهدوء في المنزل متعلقًا بكلمة واحدة!

د. عبدالرحمن حسن جان

دكتوراه في علم الاجتماع، وباحث في القضايا الأسرية والاجتماعية، مهتم بدراسة التحولات الاجتماعية وتعزيز الوعي الأسري والاستقرار النفسي والاجتماعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى