كتاب الرأي

حين يصنع العقلُ الإنسانَ… لا الآلة

في زمنٍ تتسارع فيه التقنيات، وتتسع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي حتى باتت تثير الدهشة والقلق معًا، يبرز سؤالٌ جوهري: هل يكفي أن نُعدَّ أبناءنا لوظائف المستقبل، أم أن واجبنا الأعمق أن نُعدَّهم للحياة، وأن نعلّمهم كيف يكونون بشرًا قادرين على الفهم والإحساس والإبداع؟ فالمستقبل لا يحتاج إلى عقولٍ تعرف كيف تستخدم الأدوات فحسب، بل إلى إنسانٍ يعرف لماذا يستخدمها، ولأي غاية، وبأي مسؤولية.

لا تجعلوا تعليم أبنائكم مقتصرًا على العلوم الطبيعية والتخصصات التقنية، مهما بلغت أهميتها؛ فتعليمهم كيف يصبحون أناسًا أسوياء، يمتلكون الوعي والضمير والقدرة على فهم ذواتهم ومجتمعاتهم، لا يقل أهمية عن تعليمهم كيف يصبحون أطباء أو مهندسين أو مبرمجين.

إن العمل في هذه المهن، على أهميته، لم يعد وحده ضمانًا للتميّز؛ فثمة أعداد كبيرة تستطيع أداء كثير من المهام المتشابهة، كما أن الذكاء الاصطناعي مرشح لأن يتولى جانبًا متزايدًا من الأعمال التي اعتدنا أن يؤديها البشر. وستبقى الفرص الأوسع، على الأرجح، لمن يجمعون بين المعرفة العميقة والإبداع والحكم الرشيد والقدرة على ابتكار ما لا تقدمه الآلة جاهزًا.

لكن ثمة أبعادًا في التجربة الإنسانية لا تختزلها سرعة المعالجة ولا وفرة البيانات؛ فالشعور، والتعاطف، وفهم المعنى، واستيعاب تناقضات النفس والمجتمع، أمور تتصل بعمق التجربة البشرية وأسئلتها الأخلاقية والوجودية.

فهل تستطيع الآلة، مهما بلغت قدرتها، أن تحلّ محل عالم الاجتماع الذي يقرأ تحولات المجتمع، وينفذ إلى أسباب مشكلاته؟ أو فيلسوف التاريخ الذي يتأمل مسيرة الإنسان ويبحث في دلالات صعود الأمم وأفولها؟ أو الأديب الذي يحوّل آلام الناس وآمالهم إلى كلماتٍ تكشف ما قد تعجز الأرقام عن قوله؟ قد تساعد التقنيات هؤلاء في البحث والتحليل، لكنها لا تُغني عن بصيرتهم الإنسانية ولا عن مسؤوليتهم في تفسير التجربة ومنحها معنى.

ومن هنا تأتي أهمية العلوم الإنسانية؛ فهي ليست ترفًا معرفيًا ولا حشوًا في المناهج، بل ضرورة لفهم الإنسان وتاريخه وثقافته وقيمه. ومن دونها قد نُخرّج متخصصين بارعين في تشغيل الأدوات، لكنهم أقل قدرة على إدراك آثارها في الناس والمجتمعات. وإذا تخلّى الإنسان عن التفكير الأخلاقي والنقدي والخيال والتعاطف، فقد يتحول إلى آلةٍ محدودة، بل إلى آلةٍ أضعف من الآلة التي يسعى إلى منافستها.

ومع ذلك، ينبغي ألا ننسى حقيقة أساسية: الذكاء الاصطناعي، على ما يحققه من إنجازات، هو ثمرة الذكاء البشري والعقل الذي وهبه الله للإنسان، وميّزه به، وفتح أمامه أبواب النظر والتعلّم والاكتشاف. وفي ديننا الإسلامي دعوة متكررة إلى إعمال العقل، والتدبر، والتفكر في النفس والكون؛ وهي دعوة تجعل المعرفة مسؤولية، وتربط التفكير بالتأمل في العواقب، لا بمجرد جمع المعلومات أو امتلاك الأدوات.

لسنا أمام خيارٍ بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، ولا بين العقل البشري والذكاء الاصطناعي؛ بل أمام حاجةٍ إلى التكامل بين المعرفة العلمية والوعي الإنساني. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بما تصنعه أيدينا من آلات فحسب، وإنما بما نصنعه في الإنسان من حكمةٍ وخلقٍ وقدرة على توجيه العلم نحو الخير.

إن أمانة التربية تقتضي أن نعلّم أبناءنا كيف يفكرون، لا أن نلقّنهم ما يفكرون فيه؛ وأن نغرس فيهم حب القراءة، وفضيلة السؤال، واحترام الاختلاف، والشعور بالمسؤولية، إلى جانب العلوم والمهارات التقنية. فالآلة قد تتفوق في الحساب وسرعة الإنجاز، لكن الإنسان هو الذي ينبغي أن يحدد الغاية، ويزن النتائج، ويتحمل المسؤولية. وإذا أردنا لأبنائنا مكانًا في المستقبل، فعلينا ألا نعلّمهم كيف يواكبون الآلة فقط، بل كيف يظلون إنسانًا في عالمٍ تزداد فيه الآلات ذكاءً.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى