المقالات

*الباحة.. إنجازات بلدية تصنع التحوّل وترسم ملامح المستقبل!*

لم تعد الإنجازات البلدية تقاس بما ينجز من طرق ومتنزهات ومشروعات تجميلية فحسب، بل بما تصنعه من تحوّلات في حياة الإنسان، وما تتركه من أثر في جودة الحياة، وما تمنحه للمكان من مقومات الاستدامة والجاذبية السياحية. ومن هذا المنطلق، تبرز منطقة الباحة اليوم بوصفها أنموذجاً لعمل بلدي يتجاوز حدود الخدمات التقليدية إلى آفاق التنمية الحضرية المتكاملة، مستنداً إلى رؤية طموحة، وتخطيط واعٍ وعمل ميداني يترجم الأهداف إلى منجزات ملموسة.
ولعل ما تحقق أخيراً من إنجازات نوعية يعكس بوضوح هذه النقلة الرائعة بعد أن حققت أمانة منطقة الباحة المركز الأول على مستوى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في الدورة السادسة لجائزة مجلس التعاون للعمل البلدي لعامي 2025–2026م، عن مشروع «مبادرة الباحة الخضراء» في إنجاز خليجي يعكس أهمية المبادرات البيئية في تعزيز الاستدامة، وتوسيع الرقعة الخضراء، وتحسين المشهد الحضري.
ويأتي اعتماد مدينة الباحة مدينة صديقة للأشخاص ذوي الإعاقة لعام 2026م، وفق ما أُعلن عن حصولها على الاعتماد الدولي، ليضيف محطة مهمة إلى مسيرة التطوير، ويعكس التوجه نحو بيئة حضرية أكثر شمولاً..تراعي احتياجات الجميع، وتيسّر وصولهم إلى المرافق والخدمات، وتجعل حق الإنسان في الحركة والمشاركة والاستمتاع بالمكان جزءاً أصيلاً من التخطيط الحضري. حيث يكتسب هذا الإنجاز دلالته من أن المدن المتقدمة لا تُقاس بجمال مبانيها وحدائقها فقط، بل بمدى قدرتها على احتضان جميع أفراد المجتمع دون عوائق.
وتتسع صورة هذا التحول حين ننظر إلى ما تمتلكه منطقة الباحة من مقومات طبيعية وبيئية استثنائية، فجبالها الشامخة، وغاباتها الخضراء، وأوديتها البديعة، ومناخها المعتدل في مواسم كثيرة، تمنحها ميزة تنافسية تجعل الاستثمار في البيئة الحضرية والسياحية خياراً تنموياً واعداً. ومع ما يُبذل من جهود في النظافة العامة، وتحسين الطرق والمرافق، وتطوير المتنزهات والحدائق، والمحافظة على المظهر الجمالي، تتعزّز فرص المنطقة لتكون وجهة سياحية أكثر استقطاباً، وبيئة جاذبة للاستثمار في المنتجعات والمرافق الصحية والسياحة الاستشفائية، متى ما استكملت هذه المشروعات متطلباتها الصحية والفنية والاستثمارية.
ولعل ما تحظى به بعض مدن المنطقة من اهتمام ببرامج المدن الصحية يعزز هذا التوجه، ويؤكد أن التنمية البلدية الفاعلة ليست عملاً منفصلاً عن صحة الإنسان ورفاهيته، وإنما ركيزة أساسية من ركائز بناء بيئة آمنة ونظيفة ومحفزة على الحياة والإنتاج.
وفي خضمّ هذه المنجزات، تبرز أهمية الدور الذي يضطلع به سعادة أمين منطقة الباحة، الدكتور علي بن محمد السواط، من خلال التخطيط والتوجيه ومتابعة التنفيذ، والحراك الفاعل والدأب المتواصل لرفع كفاءة الأداء وتطوير المبادرات البلدية، بالتكامل مع فرق العمل والجهات ذات العلاقة. فالمشروعات الناجحة لا تتحقق بالمصادفة، ولا تأتي بمجرد إعلان الأهداف، وإنما تحتاج إلى قيادة تستوعب إمكانات المكان وتحدد أولوياته وتحسن توظيف موارده، وتتابع تفاصيل العمل حتى تتحول الخطط إلى نتائج يلمسها المواطن والزائر. وهو ما تعمل عليه أمانة منطقة الباحة بصورة واضحة.
ويبدو أثر هذا النهج في الانتقال من التركيز على تقديم الخدمة البلدية بصورتها المعتادة إلى تبني مشروعات ومبادرات ترتبط بالاستدامة البيئية وجودة الحياة والشمول الحضري وتعزيز الهوية الجمالية للمدن. وهي مجالات تتطلب رؤية بعيدة المدى، وتنسيقاً بين الجهات، مع الحرص على قياس النتائج والمحافظة على استمرارية أثرها.
ولا شك أن الإشادة بالقيادات البلدية تكتسب قيمتها الحقيقية حين تقترن بتقدير جهود العاملين المخلصين في الميدان، من مهندسين ومراقبين وفنيين وعمال، وكل من يسهم في صناعة هذه المنجزات. فالتخطيط يضع المسار والقيادة تحفز الأداء وتوجهه، والعمل الجماعي هو الذي يمنح الرؤية قدرتها على الوصول إلى أرض الواقع.
ومع ذلك، فإن المحافظة على ما تحقق لا تقل أهمية عن تحقيقه، فالإنجاز المستدام يحتاج إلى صيانة مستمرة ومراقبة لجودة الخدمات وتطوير للمرافق، وقياس لرضا المستفيدين واستثمار مسؤول يحفظ الطبيعة ويصون هوية الباحة. كما أن المرحلة المقبلة تتيح فرصاً أوسع لربط التطوير البلدي بالتنمية السياحية والاقتصادية، بما يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار ويوفر فرص العمل، ويعزز حضور المنطقة على خارطة السياحة الوطنية.
وهو ما يسعى إليه سمو أمير المنطقة الأمير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز وسمو نائبه الأمير فهد بن سعد بن عبدالله ويحرصان عليه.
والحق أن ما تشهده منطقة الباحة من نقلات نوعية في العمل البلدي يستحق التقدير، ليس باعتباره سلسلة من الجوائز والاعتمادات فحسب، بل بوصفه مساراً تنموياً يضع الإنسان والمكان في صدارة الاهتمام. وحين تتكامل الرؤية مع كفاءة التنفيذ، وتلتقي القيادة الواعية مع إخلاص فرق العمل..تصبح الإنجازات بدايةً لمراحل أوسع من الطموح.
الباحة اليوم لا تعزز جمال المكان فحسب، بل تعمل على بناء مدن أكثر جودة واستدامة واحتواءً للإنسان، وهي رسالة تنموية تستحق الإشادة، وتستحق أن تتواصل خطواتها بثقة نحو مستقبل يليق بمكانة المنطقة وإمكاناتها.

عبدالناصر علي الكرت

تربوي - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى