تُعدّ العلوم الطبية من أكثر العلوم قوةً وتأثيرًا في التربية والتعليم والتهذيب المهني والأخلاقي؛ لأنها تتناول تفاصيل خلق الإنسان، واعتلالات جسمه، وطرق علاجه، وتُعلّم منتسبيها القيم الإنسانية الفاضلة، وأهمها الرحمة والتواضع وغيرهما.
وخلال دراسة العلوم الطبية، تتشكّل لدى الطلاب نزعة وجدانية كبيرة تجاه الناس، وتنتقل معهم إلى ميادين العمل، فنجد الغالبية العظمى من الأطباء يتمتعون بحس إنساني كبير، فجلّ همّهم مراعاة المرضى ومساعدتهم، ووضع الخطط العلاجية لهم، ومتابعة حالاتهم. وبرغم الضغط الرهيب الذي يواجهونه بحكم مجال عملهم، فإنهم لا يتخلّون عن تلك النزعة الإنسانية التي تميّزهم عن غيرهم في المهن الأخرى.
وفي جانب آخر، يزداد إيمانهم وتعمق خشيتهم من الله بما يمرّ عليهم من حالات وتجارب تدل على عظمة خلق الله وقدرته وعجائب صنعه، ويتحقق فيهم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فكلما تعمّق الطبيب في تخصصه، زاد إيمانه، وقويت نزعته الإنسانية، وازداد خشوعًا لله.
قد يقول قائل إن هذا تحيّز صريح لمهنة الطب، وإن المهن الأخرى فيها أيضًا جوانب إنسانية، وهذا القول صحيح في المجمل، لكن الاهتمام بمجال الطب والحديث عن إنسانية الأطباء تثبته الوقائع الحاصلة في المستشفيات وغرف العمليات، تلك الوقائع التي تحمل في طياتها عبرًا وعظات، وتهزّ القلوب، وتُخضع العقول، وتُعدّ شاهدًا حيًّا على ما يحمله الأطباء من شعور إنساني كبير قلّ وجوده عند غيرهم.
إن المجال الطبي من أسرع المجالات تطورًا، لظهور حالات وأمراض تستثير عقول الأطباء للبحث والتحرّي، ومحاولة تقديم الحلول العاجلة لاحتواء الأمراض ومحاربتها، وخدمة المرضى وصحة المجتمع.
وعلى هذا الأساس، فحالات الأمس ليست كحالات اليوم، والأمراض لا تتشابه جميعها، وكل يوم تقع عقول الأطباء في حيرة شديدة حيال الحالات الجديدة، مما يثبت لهم أن المجال في غاية التحدي والتجديد، وأنه يتطلب المرونة الذهنية، والاطلاع المستمر، والبحث العلمي المتواصل. وبرغم كل ذلك، فما أوتيتم من العلم إلا قليلًا.
يقول الدكتور خالد الجبير إن الحالات التي وقف عليها تثير العجب والدهشة من عظمة خلق الله وسعة هذا العلم، مما دعاه إلى الربط بين الطب والقصص الواقعية والجانب الإيماني؛ إذ تركز معظم الحالات الطبية والقصص التي يرويها على موضوعات طبية تثير الدهشة والعجب وتزيد الإيمان.
ففي حالات جلطات القلب وفشله، على سبيل المثال، يروي الدكتور، بحكم تخصصه، الأثر الطبي والسريري لجلطات القلب الشديدة، وتلك اللحظات الحرجة، وكيف يتعامل الفريق الطبي معها في غرف الطوارئ والعمليات.
تقشعرّ الأبدان وتذهل العقول حين تنحصر الدنيا كلها، كأنها ثقب إبرة في عين المريض، وحين يستعيد شريط حياته وهو يوشك على مغادرتها.
قصص مؤلمة تحكي اللحظات الأخيرة للمرضى المحتضرين الذين أشرفوا على الموت في العناية المركزة، وما رآه أو سمعه منهم من شهادات أو ثبات وتزعزع، بهدف تقديم الموعظة والاعتبار.
وفي عجائب الشفاء والدعاء، يستعرض الدكتور حالات طبية بالغة الخطورة، بدت فرص التعافي منها ضئيلة وفق التقديرات الطبية، مثل توقف النبض أو الفشل العضوي الشديد، وكيف تغيّرت مساراتها الطبية بشكل مفاجئ وغير متوقع، ويربط في رواياته بين تلك التحولات واللجوء إلى الدعاء والصدقة والاستغفار، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾.
وكذلك في مجال الطب البديل والطب الوقائي، تطرّق إلى موضوعات طبية عامة وشعبية، مثل الحمية والحجامة، ورأيه الطبي والشرعي فيها.
وإجمالًا، فإن مواقف الأطباء تجاه الحالات المرضية تُعدّ مصدرًا مهمًّا للإلهام وتعزيز مفهوم الرحمة والإنسانية، وتُبرز في الوقت نفسه روعة العلوم الطبية ومكانتها المتقدمة بين العلوم.





