كتاب الرأي

صنعةٌ في اليد أمانٌ من الفقر

كان آباؤنا وأجدادنا يرددون حكمة(صنعة في اليد أمانٌ من الفقر)وهي عبارة قصيرة في كلماتها كبيرة في معناها لأنها تختصر فلسفة كاملة في الاعتماد على النفس واحترام العمل ومواجهة تقلبات الحياة بما يملكه الإنسان من مهارة منحه الله إياها أو اكتسبها بالخبرة فلايستطيع أحد أن ينتزعها منه.

فالمال قد يذهب والوظيفة قد تنتهي والظروف الاقتصادية تتغير لكن المهارة التي يتقنها الإنسان تبقى معه وترافقه أينما ذهب وتفتح له باباً حين تُغلق أبواب أخرى.

وقد عانت كثيراً من المجتمعات مما يمكن تسميته ب ( ثقافة العيب ) تلك الثقافة التي صنّفت المهن والأعمال وفق ميزان اجتماعي لا علاقة له بقيمة العمل ولا بحاجات المجتمع فأصبح بعض الناس ينظر إلى اسم الوظيفة أكثر مما ينظر إلى شرف الكسب الشريف وجودة الأداء .

ولعل من الأخطاء التي ترسخت في بعض المجتمعات أن النجاح ارتبط في الأذهان بالشهادة والوظيفة المكتبية فقط حتى أصبح بعض الشباب ينظر إلى المهن والحرف اليدوية نظرة أقل مما تستحق مع أن كثيراً من أصحاب الحرف اليوم يحققون دخلاً يفوق دخل بعض حملة الشهادات.

الكهربائي والسباك والنجار والحداد والميكانيكي وفني التكييف والخياط والحلاق والجزار والطاهي والمزارع وغيرهم من أصحاب المهن جميعهم يقدمون أعمالاً يحتاج إليها المجتمع كل يوم.

والصنعة لا تمنح صاحبها المال بل تمنحه شيئاً أهم ألا وهو الاستقلال والثقة بالنفس فالإنسان الذي يعرف أنه قادر على إنتاج شيء يحتاجه الآخرون أقل خوفاً من تقلبات الظروف لأنه لا ينتظر دائماً من يمنحه فرصة بل يستطيع أن يصنع لنفسه فرصة.

وهنا ينبغي أن نعيد النظر في مفهومنا للوظيفة فليس كل من حصل على شهادة جامعية ملزماً بأن ينتظر سنوات بحثاً عن وظيفة تناسب مع تخصصه إذا كان يمتلك القدرة على تعلم حرفة أو مهارة تفتح أمامه باب رزق شريف فالشهادة العلمية قيمة عظيمة ولكنها تصبح أكثر قوة حين تجتمع معها المهارة وليس هناك تعارض بين أن يكون الإنسان جامعياً وأن يتقن حرفة بل ربما يكون هذا الجمع من أفضل صور التأهيل للمستقبل.

ومن الجميل أن نغرس في أبنائنا منذ الصغر ثقافة ماذا تتقن؟ إلى جانب سؤال ماذا تريد أن تصبح؟ ونعلمهم استخدام الأدوات والزراعة والطهي والتقنية والتصميم والبيع والشراء وغيرها من المهارات المناسبة لأعمارهم وميولهم.

فالطفل الذي يتعلم أن يصنع شيئاً بيده يتعلم في الوقت نفسه الصبر والدقة وتحمل المسؤولية وقيمة المال واحترام جهد الآخرين.

كما أن احترام أصحاب المهن جزء من ثقافة المجتمع المنتج فلا توجد مهنة شريفة تُنقص من قدر صاحبها وإنما الذي يرفع الإنسان هو إتقانه وأمانته وصدقه.

وكم من رجل بدأ بأدوات بسيطة في ورشة صغيرة ثم تحولت حرفته مع الوقت إلى مؤسسة توظف عشرات الأشخاص وكم من شاب بدأ مشروعه من منزله بمهارة أتقنها ثم أصبحت تلك المهارة مصدر دخله واستقلاله.

وفي زمن تتغير فيه الوظائف بسرعة وتدخل التقنية والذكاء الاصطناعي إلى مجالات كثيرة تصبح القدرة على التعلم واكتساب المهارات أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وقد لا تكون الصنعة اليوم مطرقة ومنشاراً بل قد تكون جهاز حاسب أو آلة تصوير أو أداة تصميم أو مهارة صيانة أو فناً من فنون الإنتاج ، المهم أن يمتلك الإنسان قيمة يستطيع تقديمها للآخرين مقابل كسب حلال.

والمجتمعات القوية ليست تلك التي يكثر فيها الباحثون عن الوظائف بل تلك التي يكثر فيها المنتجون وأصحاب المهارات والمشروعات الصغيرة لأن الحرفة لا توفر دخلاً لصاحبها فقط وإنما تحرك السوق وتلبي احتياجات الناس وتخلق فرصاً جديدة للعمل.

ولذلك فإن من أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا بعد العلم والتربية أن نساعدهم على اكتشاف مهارة يتقنونها فلا بأس أن يحمل الشاب شهادة في يد وأداة مهنة في اليد الأخرى فالأولى توسع معرفته والثانية تمنحه قدرة إضافية على مواجهة الحياة.

لقد أدرك الأولون هذه الحقيقة قبل ظهور الجامعات والمعاهد ومفاهيم سوق العمل الحديثة.

وفي عصرنا الحاضر إهتمت المملكة العربية السعودية بالشباب وحثتهم على اكتساب المعرفة المهنية فأنشأت معاهد التدريب وكليات التقنية للبنين والبنات في كل منطقة ومحافظة وبالمجان بل أن الدولة أعزها الله تدفع للمتدربين مكافآت مجزية وتمنحهم شهادات عليا لو رغبوا في إكمال دراساتهم .

كما أنها منحت كثيرا من الشباب والفتيات المتخرجين من تلك المعاهد والكليات القروض الميسرة لممارسة ما تدربوا عليه داخل ورش ومصانع يملكونها ويتولون إدارتها وتشغيلها بأنفسهم.

الخلاصة : ما دام الإنسان يحمل في عقله علماً وفي يده مهارةً وفي نفسه إرادةً للعمل فإنه يحمل معه مفتاحاً للرزق الوفير والكسب الحلال.

• كاتب رأي ومستشار أمني

عبدالله سالم المالكي

كاتب رأي - مستشار أمني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى