يطيب لي أولا أن أهنئ معالي أمين مدينة جدة المهندس إحسان عباس بافقيه على الثقة الملكية بتعيينه أميناً لمدينة جدة، ونسأل الله أن يسدد خطاه وأن يوفقه وأن يحقق تطلعات سكان وزوار مدينة جدة.
إنما تهدف إليه هذه السطور هو تشخيصٌ للتحديات التي تراكمت على المدينة عبر مراحل نموها المختلفة، ثم الانتقال إلى رسم تصور لمستقبل مدينة جدة وما تريد أن تكون عليه عام 2040 أو 2050، وما هو الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي تريد أن تلعبه هذه المدينة الفتية محلياً وإقليمياً وعالمياً، والاستفادة من مقوماتها المكانية وتحويلها إلى ميزة تنافسية واقتصادية مستدامة.
جدة خمسة ملايين ساكن وخمسة عشر مليون زائر
جدة عروس البحر، وبوابة الحرمين، ومدينة التجارة والسياحة والتاريخ. تحتضن نحو خمسة ملايين ساكن، ويقصدها ما يقارب خمسة عشر مليون زائر كل عام. وتجتمع فيها مقومات لا تتوافر لكثير من المدن: موقع استراتيجي، وعمق تاريخي، ومقومات طبيعية، وتنوع وظيفي يؤهلها لمنافسة كبريات المدن العالمية. وقد قطعت في مسارها التنموي مسافة طويلة، من مدينة مسوَّرة مغلقة إلى حاضرة عصرية جاذبة ذات مكوّن حضاري واجتماعي وعمراني متميز.
إرث التخطيط: أساس علمي رصين
أسهم التخطيط العمراني وسياسات التنمية العمرانية والاقتصادية في جذب السكان والزوار إلى المدينة، فتوافرت فيها خدمات اقتصادية وعلمية واجتماعية وصحية، وبنية تحتية جيدة كانت ثمرة جهود واستثمارات كبيرة. وقد سعى المخططون الأوائل إلى رسم ملامح مدينة المستقبل استناداً إلى أسس علمية في إعداد المخططات والاستراتيجيات العمرانية، بدءاً بمخطط دوكسيادس عام 1973، ومن بعده مخطط روبرت ماثيو. وقام هذا الفكر التخطيطي على شمولية استخدامات الأراضي بين التجاري والسكني والترفيهي، مدعوماً بشبكة طرق حديثة ومنظومة نقل متكاملة ومترابطة، إذ اعتُمد النموذج الشبكي للطرق بمحاوره الرئيسية الرابطة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، وهو ما مكّن المدينة من التمدد أفقياً.
من التمدد الأفقي إلى التكثيف الرأسي
ثم توالت المخططات الهيكلية التي رسّخت التوجه نحو التنمية الرأسية، فتحولت أحياء سكنية كاملة إلى مناطق عالية الكثافة، بمعزل عن مكوّنها العمراني السابق المتميز. وقد أورث هذا التحولُ الأحياءَ جملةً من المشكلات، أبرزها الاكتظاظ السكاني، وعجز البنية التحتية من طرق وخدمات عامة عن مواكبة الاحتياج المستجد.
هوية معمارية هجينة
تمتلك جدة هوية معمارية هجينة تغيّرت عبر الزمن، فانتقلت من نمط تقليدي متماسك في نسيجه وطرازه، كما هو الحال في جدة التاريخية، إلى نمط متعدد ومتباين يتأرجح بين الفكر الشرقي والغربي. وقد تأثر هذا التحول بالمبادرات الفردية للمطورين والملاك، وبالتطور المتسارع في تقنيات البناء ومواده، الأمر الذي أسهم في إغفال الطراز المعماري المحلي وإهمال التكيف البيئي مع مناخ المدينة الحار الرطب، ففقدت العمارة خصوصيتها وهويتها الحجازية.
واستعادة هذه الهوية وإعادة صياغتها تتطلب تدرجاً؛ إذ يصعب التطبيق الشامل والفوري لهوية موحدة على نسيج عمراني قائم وممتد بهذا الحجم. والمدخل العملي هو تبنّي كود عمراني مُلزِم، يُطبَّق مرحلياً على المشاريع الجديدة ومشاريع التطوير الكبرى أولاً، قبل تعميمه.
النطاق العمراني وملف المناطق العشوائية
أعطى النطاق العمراني مؤشراً إيجابياً في تحديد حدود التنمية، غير أنه لم يوجّهها بالقدر الكافي؛ فامتد العمران شمالاً وجنوباً وشرقاً دون أن تواكبه البنية التحتية. كما أفضى ضعف الرقابة إلى نشوء أحياء عشوائية منتشرة في أطراف المدينة، شكّلت عبئاً عمرانياً واجتماعياً عليها.
وقد أثمرت الجهود الأخيرة عن إزالة هذه المناطق، في قرار تخطيطي جريء وضروري في آن واحد، ويمثّل بهذا الحجم إنجازاً يُحسب للمدينة. غير أنه خلّف تحدياً كبيراً يتصل بإعادة تموضع السكان والخدمات، وأسهم في اتساع رقعة الانتشار العمراني في جميع الاتجاهات. لقد وضعت هذه العملية التصحيحية المدينةَ في مرحلة انتقالية يمكن وصفها بعدم الاتزان، وبخاصة في أنماط الحركة والتنقل؛ إذ تغيّرت مسارات الحركة المرورية وتداخلت الأنشطة، فاشتدت الاختناقات وتضاعف الضغط في المواسم والمناسبات والتحركات اليومية.
ست مناطق ووظائف متباينة
أفضت هذه التحولات إلى مدينة مختلفة عما كانت عليه من أوجه عدة. فقد انقسمت جدة تخطيطياً إلى ست مناطق كبرى: أقصى الجنوب، وجنوب جدة، ووسط جدة، وشمال جدة، وأقصى الشمال، وشرق جدة. ولكل منها طابع عمراني ووظيفي مغاير — تجاري أو سكني أو ترفيهي — بمستويات متفاوتة من البنية التحتية، ومن المشكلات الحضرية من ازدحام وكثافة سكانية ونقص في الخدمات. والمطلوب من التخطيط القادم أن يرسّخ التكامل بين هذه المناطق بدلاً من تنافسها.
تحديات متراكمة
رسمت رؤية 2030 أفقاً واسعاً للتطوير والبنية التحتية في المملكة، ووضعت موجّهات تنموية ومعايير للتقييم ومتابعة الأداء ضمن محاورها الثلاثة: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، وجعلت جودة الحياة أحد مرتكزات التطوير.
وفي مقابل ذلك، تواجه جدة تحديات متراكمة يتقدمها الازدحام المروري والاعتماد شبه الكلي على المركبات الخاصة بنسبة تتجاوز 95%. يضاف إلى ذلك ارتفاع الكثافة السكانية في عدد من الأحياء نتيجة تغيّر أنظمة البناء، وما تبعه من إنهاك للبنية التحتية وارتفاع في أسعار الأراضي، إلى جانب إشكالية تصريف مياه الأمطار والسيول، واتساع الفراغات العمرانية بعد إزالة الأحياء العشوائية، وتركّز الخدمات في نطاقات محددة رغم اتساع العمران، فضلاً عن التلوث البيئي وقلة المساحات الخضراء.
الفراغات العمرانية: الفرصة الأثمن
لعل أبرز المهام في هذه المرحلة إعداد مخطط هيكلي شامل لدمج الفراغات العمرانية الناتجة عن إزالة المناطق العشوائية، فهي فرصة تنموية نادرة قد لا تتكرر.
وتتقاطع هذه التجربة شكلياً مع تجارب التجديد الحضري في عدد من دول العالم، وبخاصة في الولايات المتحدة خلال خمسينيات القرن الماضي وستينياته، مع اختلاف جوهري في السياق والأهداف؛ إذ يقوم المفهومان على الإزالة الشاملة (Slum Clearance)، حيث استخدمت الدولة سلطتها لإزالة نسيج عمراني متهالك وغير آمن لا يتوافق مع صورة المدينة الحديثة. غير أن الدرس الأهم من تلك التجربة أن الإزالة حين لا يعقبها مخطط تطوير سريع ومحدد المعالم، تتحول الأرض المفرّغة إلى عبء ممتد لعقود. ومن هنا فإن تنمية هذه المناطق يجب أن تخضع لرؤية استراتيجية أكبر مرتبطة برؤية 2030، تتيح توطين مشاريع كبرى عالمية، والاستعداد لكأس العالم 2034، ورفع جودة الحياة. أما تركها دون تطوير أو دون إدراجها ضمن استراتيجية ومخططات واضحة، فسيحوّلها من فرصة إلى تخلخل عمراني وتشوّه بصري.
الحوكمة وشراكة القطاع الخاص
إن التعامل مع هذا الكم من القضايا الحضرية معضلة شائكة، أحد أسبابه تعدد الجهات ذات العلاقة وتداخل الصلاحيات.
كما تمتلك مدينة جدة أداة استثمارية وتطويرية متمثلة في شركة جدة للتنمية والتطوير العمراني، حيث تعتبر هذه الشركة الذراع الاستثماري والتنموي لأمانة محافظة جدة. ومن المهم أن تقوم بإعداد وتنفيذ برامج التنمية والتطوير العمراني، وإعداد خارطة استثمارية ضخمة تتماشى مع رؤية المملكة 2030 ورؤية مدينة تُلِم وتُلبي احتياجات الساكن والمقيم والمستثمر.
فإن ما قامت به في السابق والحاضر يعتبر بشكل بسيط محدوداً ويتمثل في عدد من المشاريع على سبيل المثال لا الحصر ، مخطط الإسكراب، ومدينة السيارات، مدينة البناء، والمواقف في وسط مدينة جدة. لكنها لم تقدم نوعاً مميزاً أو خاصاً للمواطن مثل تطوير الأحياء السكنية والحدائق العامة والتوسع في إقامة المناطق الخضراء.
إن ما تحتاجه هذه الشركة ذات الإمكانيات الكبيرة هو فكر واسع وأفق شامل وإدارة علمية ومهنية احترافية قوية ذات خبرة تخطيطية وبُعد اقتصادي وتطويري وخطط استراتيجية للتطوير ورؤية واضحة وعميقة وإعادة صياغة أهدافها وأولوياتها لجعل المدينة وأحيائها تنبض بالحياة والرفاهية والتكامل الاجتماعي وتوفير الخدمات العامة.
وتشكّل استضافة المملكة لكأس العالم محفزاً إضافياً، لما تتطلبه من تطوير في قطاع الإيواء والخدمات والبنية التحتية ومنظومة النقل على وجه الخصوص. كما يمثل السماح بتملك الأجانب نافذة للتطوير العمراني، وفرصة لاستقطاب مطورين يقدّمون نماذج مختلفة في قطاع الإسكان، وبخاصة في المواقع التي أُزيلت.
ويؤهل الموقع الجغرافي للمدينة توطين خدمات وصناعات نوعية في مقدمتها الخدمات اللوجستية، شريطة أن تُربط عناصرها في منظومة متكاملة تصل الميناء البحري والمطار بمناطق المستودعات والتجمعات التجارية. ويبقى الربط بين المشاريع الكبرى — وسط جدة، والواجهة البحرية، وجدة التاريخية — تحدياً قائماً يعكس الحاجة إلى تنفيذ مترو جدة.
خمسة تحديات مفصلية لمستقبل جدة
إن نجاح جدة في التحول إلى مدينة عالمية مرهون بمواجهة خمسة تحديات: أولاً تحدي منظومة النقل والحركة وتداخل حركة السكان مع البضائع، ثانياً تحدي غياب منظومة نقل عام حقيقية كالمترو، ثالثاً تحدي تعدد الجهات وتداخل الصلاحيات، رابعاً تحدي التنافسية الاقتصادية مع مدن الخليج ومدن المملكة الأخرى، وخامساً تحدي الواجهة البحرية والبعد البيئي. إن النظر إلى هذه التحديات بشكل متكامل هو الكفيل بتحويل الفراغات الحالية من عبء إلى فرص وتنمية شاملة.
في الواقع هناك عدد من الأسئلة الجوهرية التي يجب أن نضعها أمامنا ونحن نرسم مستقبل جدة.
والسؤال الجوهري:
من هم سكان جدة القادمون؟ وهذا سؤال محوري يحدد احتياجاتهم من السكن والتعليم والصحة والترفيه، ويحدد ما هي القطاعات التي نريد أن تقود اقتصاد جدة مستقبلاً، وما هي الشركات التي نريد جذبها؟ فالمدينة الناجحة لا يجب أن تكون متعددة الوظائف فقط، وليس فقط مكاناً جيداً للسكن، بل منظومة اقتصادية متكاملة تنتج فرص عمل وثروة واستثماراً.
والسؤال الآخر الذي يجب أن نطرحه: ما هو الدور الذي سوف نختاره لمدينة جدة؟ فلا نريد لمدينة جدة أن تكون نسخة مكررة لمدينة أخرى، ولا أن تنافس المدن الأخرى على دورها، وإنما نحتاج إلى تحديد دورها المميز والمكمل داخل منظومة مدن المملكة.
وهنا نصل إلى محاور التنمية المقترحة لمستقبل جدة، والتي يمكن اختصارها في ثلاثة محاور استراتيجية كبرى:
المحور الأول: محور “بوابة الحرمين”. أن تكون جدة هي بوابة الحرمين وبوابة العالم الإسلامي، وما يرتبط بذلك من منظومة متكاملة للسياحة والضيافة والصحة وخدمات وتجربة زائر متكاملة، من مطار وميناء وفنادق وخدمات لوجستية للحجاج والمعتمرين والزوار.
المحور الثاني: أن تكون مدينة جدة نقطة اتصال استراتيجية بين المملكة ودول العالم، وخاصة أفريقيا وأوروبا وآسيا. وأن تكون مركزاً لوجستياً ومركز أعمال وتجارة عالمية، ذات مناطق صناعية ومنطقة حرة ومدينة مستودعات، لتكوين منظومة متكاملة لإعادة التصدير والشحن الجوي والبحري، بالإضافة إلى أن تكون مركزاً مالياً للبنوك وشركات التأمين ومقراً إقليمياً للشركات العالمية. فموقع جدة على البحر الأحمر يؤهلها لتكون سنغافورة البحر الأحمر ودُرّة المدائن.
المحور الثالث: وهو لا يقل أهمية عن سابقيه، وهو جعل مدينة جدة مدينة مميزة للعيش والعمل والسياحة. وذلك بالاستفادة القصوى من الواجهة البحرية والتراث والترفيه والرياضة لجذب الزوار والمواهب والشركات العالمية، مع التفعيل الحقيقي لمنظومة تملك الأجانب للعقار، والذي نأمل أن يستهدف شريحة كبيرة من طالبي هذا التوجه من المستثمرين والمقيمين المميزين.
لا شك أن مدينة جدة تتمدد بشكل كبير ويجب النظر إليها كمدينة متعددة المراكز (Polycentric City) ومستقلة ذاتياً (Self-Sufficient Districts)، مع أهمية تكاملها فيما بينها. وهذا النموذج سوف يقلل من الحاجة للحركة والتنقل اليومي والرحلات الطويلة والازدحام المروري، ويرفع من مستوى جودة الحياة، نحو مدينة مستدامة تنعم بالخير والرخاء والأمن والأمان.
إن الإجابة الواضحة على هذه المحاور الثلاثة هي نقطة الانطلاق الحقيقية لأي مخطط هيكلي جديد لمدينة جدة 2040-2050.