كتاب الرأي

لا تلعب دور البطل.. فقد تصبح أنت الضحية!

تعلمت مؤخرًا درسًا جديدًا من دروس الحياة، استلهمته هذه المرة من مباراة كرة قدم، في مشهد عابر على المستطيل الأخضر، لكنه حمل في تفاصيله معاني عميقة تتكرر في حياتنا اليومية ومواقفنا مع الآخرين.

كنت أتابع مباراة العراق والكويت في نصف نهائي خليجي 27 بمدينة جدة. لفت انتباهي الظهير الأيمن للمنتخب الكويتي، الذي قدم مستوى جيدًا طوال المباراة، وأدى واجباته الدفاعية بروح قتالية، حتى وصلت المواجهة إلى دقائقها الأخيرة والنتيجة تشير إلى التعادل بهدفين لكل فريق.

وفي لحظة حاسمة، انطلق أحد لاعبي العراق بهجمة من منتصف الملعب، فقرر المدافع الكويتي التدخل وإيقافه بشد قميصه، ربما اعتقد أنه بذلك ينقذ فريقه من هدف قد ينهي أحلام التأهل، وربما رأى أن التضحية الشخصية أفضل من ترك المنافس يتقدم نحو المرمى.

كان أمامه قرار يحتاج إلى تقدير سريع، لكنه اختار التدخل، فأشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجهه، وغادر الملعب تاركًا زملاءه بعشرة لاعبين في وقت بالغ الحساسية.

وبعدها سجل المنتخب العراقي هدفه الثالث، وانتهت المباراة بخسارة الكويت.

والمفارقة المؤلمة أن المدافع الذي اجتهد طوال المباراة، وحاول في لحظاتها الأخيرة حماية فريقه، وجد نفسه في دائرة اللوم والانتقاد من بعض الجماهير ووسائل الإعلام، وكأن جهده طوال التسعين دقيقة اختُصر في تلك اللحظة!

توقفت طويلًا أمام هذا المشهد، ووجدتني أستعيد مواقف كثيرة من حياتنا اليومية، يتقدم فيها الإنسان بحسن نية لإنقاذ موقف، أو الدفاع عن صديق أو موقف، أو حل خلاف بين قريبين، أو مساعدة زميل في مأزق، ثم يكتشف أن اجتهاده لم يحقق النتيجة التي أرادها، وأن الذين حاول مساعدتهم أصبحوا أول من يلومه.

كم من شخص تدخل لإصلاح خلاف عائلي، فخرج من المشكلة متهمًا بالانحياز؟ وكم من موظف تحمل مسؤولية ليست من اختصاصه لإنقاذ عمل متعثر، فلما أخفقت المحاولة أصبح وحده في مواجهة المساءلة؟ وكم من صديق اندفع للدفاع عن صديقه، ثم تصالح المتخاصمون وبقي هو يدفع ثمن تدخله؟

بل إن بعض الناس يذهب بعيدًا في اجتهاده، فيتخذ قرارات نيابة عن الآخرين، ويتحمل أعباء لم يطلبها منه أحد، معتقدًا أن التضحية وحدها تكفي لصناعة موقف نبيل، ثم يفاجأ بأن الآخرين يحاسبونه على النتائج، لا على النوايا.

وهنا تكمن المشكلة.

فالحياة، مثل كرة القدم، لا تكافئ كل اجتهاد، ولا تمنح النوايا الحسنة حصانة من الخطأ. وقد تكون شجاعًا ومخلصًا وصادقًا في رغبتك بالمساعدة، لكن قرارًا متعجلًا يضعك في موقف أصعب من المشكلة التي حاولت حلها.

ولذلك فإن الحكمة تقتضي أن نسأل أنفسنا قبل التدخل: هل يحتاج الموقف فعلًا إلى تدخلي؟ وهل أملك القدرة على معالجته؟ وما العواقب المحتملة؟ وهل أتحمل مسؤولية القرار إذا جاءت النتائج بعكس ما أتوقع؟

فليس كل موقف يحتاج إلى بطل، وليس كل تدخل بطولة، وأحيانًا يكون ضبط النفس وحسن تقدير العواقب أشجع من الاندفاع.

ولعل أكثر ما استوقفني في حكاية المدافع الكويتي أن أداءه الجيد طوال المباراة لم يشفع له عند المنتقدين، بعدما طغت لحظة الطرد على كل ما قدمه. وهذا يحدث كثيرًا في حياتنا؛ فقد تبني رصيدًا طويلًا من المواقف الجميلة، ثم يأتي اجتهاد واحد غير موفق فينسى البعض كل ما سبقه.

لا يعني ذلك أن نتخلى عن الشهامة أو نتردد في مساعدة الآخرين، فالمروءة قيمة عظيمة، والوقوف مع الناس وقت حاجتهم من أجمل الصفات الإنسانية. لكن بين الشهامة والاندفاع مسافة اسمها الحكمة، وبين المبادرة والتورط لحظة تحتاج إلى تفكير.

خرجت من تلك المباراة بمقولة كتبتها لنفسي، وربما يجد فيها غيري شيئًا من تجاربه:

«تعلمت مؤخرًا أن لا تحاول لعب دور البطل في كل موقف، مهما كانت نواياك طيبة؛ فقد تكتشف في النهاية أنك الضحية في نظر من حاولت أن تكون بطلًا من أجلهم».

وتبقى نصيحتي لنفسي ولكل من اعتاد المبادرة والاجتهاد من أجل الآخرين: ساعد قدر استطاعتك، وكن شهمًا وصاحب موقف، لكن لا تحمل نفسك مسؤولية كل مشكلة، ولا تدخل معركة لم تحسب عواقبها، ولا تضحِّ بموقعك لإنقاذ موقف قد لا يحتاج إلى تضحيتك أصلًا.

فقد تنجح في إنقاذ الآخرين وتصبح بطلًا في أعينهم، وقد تخفق في محاولتك، فتجد نفسك وحدك في قفص الاتهام!.

عبدالله أحمد الزهراني

عبدالله أحمد الزهراني، رئيس تحرير صحيفة مكة الإلكترونية، حاصل على درجة الماجستير في الاتصال والإعلام الرقمي من جامعة الملك عبدالعزيز، ويُعد من أبرز كتّاب الرأي في الإعلام السعودي المعاصر. يجمع في أسلوبه بين التحليل السياسي العميق والطرح الساخر الواعي، حيث يقدّم مقالات تتناول قضايا الوعي الوطني، والتحولات الإعلامية، والصراعات الدولية، ضمن رؤية فكرية تعكس فهمًا استراتيجيًا لمفهوم “حروب الوعي” وصناعة التأثير في العصر الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى