
ليست الهزائم الكبرى دائمًا ثمرةَ قوة العدو، ولا تكون بدايتها بالضرورة في ساحات القتال؛ فكثيرًا ما تنبت بذرتها الأولى في الداخل، حين تتراجع الثقة، ويتصدّع الصف، ويظنّ بعضهم أن النجاة ممكنة بالتخلّي عن الآخرين. ومن بين الأمثال العربية التي اختزلت هذه الحقيقة في كلمات قليلة، يبرز المثل الشهير: «أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض»، بوصفه تحذيرًا بليغًا من عاقبة التفرّق، ومن الوهم الذي يجعل التضحية بالآخر طريقًا إلى السلامة.
تروي الحكاية المتداولة للمثل أن ثلاثة ثيران، أبيض وأسود وأحمر، كانت تعيش في مرعى واحد. وكان الأسد يعجز عن الانقضاض عليها ما دامت متحدة؛ إذ كانت قوة كل واحد منها تكتمل بقوة الآخرين، فيغدو اجتماعها حصنًا يحول دون افتراسها.
فحين تتوحّد الصفوف، تتكامل عناصر القوة، ويتوزع العبء، ويصبح الدفاع مسؤولية مشتركة. وهذا المعنى لا يقتصر على عالم الحيوان، بل يمتد إلى المجتمعات والدول والمؤسسات؛ فالتضامن يعزّز القدرة على مواجهة الأخطار، ويمنح الجماعة منعةً لا يملكها أفرادها متفرقين.
كما أن التماسك يُفشل محاولات الاختراق والالتفاف؛ لأن كل طرف يدرك أن حماية الآخر جزء من حماية نفسه، وأن الخطر الذي يصيب أحد أفراد الجماعة قد يمتد أثره إلى الجميع.
أدرك الأسد، في الحكاية، أن المواجهة المباشرة لن تحقق له غايته، فلجأ إلى الحيلة بدلًا من القوة، وسعى إلى إقناع الثورين الأسود والأحمر بأن الثور الأبيض، بلونه المميّز، يجذب الأنظار ويعرّضهما للخطر، وأن التخلّص منه سيضمن لهما الأمان. وهكذا تسلّل الوهم إلى موضع الثقة، وتقدّمت المصلحة الضيقة على رابطة التضامن.
وبعد أن تُرك الثور الأبيض وحيدًا، انقضّ عليه الأسد وافترسه. ولم تكن تلك نهاية الحكاية؛ فقد تتابع الاستفراد بالثورين الآخرين، واحدًا بعد آخر، حتى أدرك الثور الأسود أن مصيره قد حُسم يوم سمح بالتخلّي عن رفيقه، فقال عبارته التي خُلّدت في الذاكرة: «أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض».
وتكشف الحكاية عن آلية خطرة تتكرر بصور مختلفة: يبدأ التفكيك بإثارة الشكوك، ثم بتضخيم الخلافات، ثم بعزل طرف عن بقية الجماعة، حتى يصبح كل فرد أو فريق لقمةً سائغة بعد أن كان جزءًا من قوة متماسكة. فالمعتدي الذي يعجز عن مواجهة الصف الموحد قد ينجح في إضعافه من الداخل، مستفيدًا من الأنانية وسوء التقدير وتوهّم النجاة الفردية.
إن أخطر ما في التفرّق ليس اختلاف الآراء في حد ذاته؛ فالاختلاف أمر طبيعي، وقد يكون مصدر إثراء وقوة، وإنما الخطر حين يتحول الاختلاف إلى خصومة تهدم الثقة، وحين يُضحّى بالشريك أو الجار أو الحليف ظنًّا أن الخطر سيتوقف عند حدود الآخرين.
إن سياسة «فرّق تسد» تقوم على تحويل الخلافات إلى شقوق، والشقوق إلى حواجز، ثم استثمارها لإضعاف الجماعة. ولهذا فإن الوعي لا يقتصر على اكتشاف التهديد الخارجي، بل يشمل أيضًا حماية الروابط الداخلية، وإدارة الخلاف بالحوار والعدل، وعدم السماح للمصالح الآنية بأن تمحو إدراك المصير المشترك.
فالكيانات القوية لا تُقاس بقدرتها على الوقوف في وجه الخطر فحسب، بل كذلك بقدرتها على صون وحدتها، ومعالجة خلافاتها، ورفض تحويل أي طرف فيها إلى كبش فداء يُقدَّم قربانًا لطمأنينة مؤقتة.
يعلّمنا مثل «أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض» أن الهزيمة قد تبدأ قبل أن يرفع العدو سلاحه؛ تبدأ حين يتخلّى المرء عن شريكه، ويحسب أن النار إذا أحرقت بيت جاره فلن تبلغ بيته. لكنها، في الغالب، لا تقف عند الباب الذي فُتح لها أول مرة.
إن التضامن ليس شعارًا يُرفع عند الشدائد ثم يُنسى في أوقات الرخاء، بل هو وعيٌ بأن مصائرنا تتشابك، وأن قوة الجماعة لا تكتمل إلا بحفظ حقوق أفرادها وصيانة روابطها. ومن يفرّط في رفيقه اليوم، بحجة أن الخطر لا يعنيه، قد يجد نفسه غدًا وحيدًا أمام الخطر ذاته.
ولعل أبلغ ما يختصر هذا المعنى قول الشاعر، في البيت المشهور المنسوب إلى الإمام الشافعي:
تأبى الرماحُ إذا اجتمعنَ تكسُّرًا
وإذا افترقنَ تكسَّرتْ آحادا
فما دام الصف متماسكًا، ظلّت للضعيف قوةٌ يستمدها من الجماعة، وللقوي سندٌ يحميه من العزلة. أما إذا تفرّق الجمع، فقد يصبح كل فرد هدفًا منفردًا، ويأتي الندم حين لا ينفع الندم. ولذلك، فإن الحكمة التي يتركها المثل للأجيال واضحة: لا تجعل سلامتك المؤقتة ثمنًا لهزيمة من يقف إلى جوارك؛ فقد تكون تلك بداية هزيمتك أنت.

