لم تكن دموع الكاتب الجزائري حامد ياسين، وهو يواجه المقاعد الخالية في حفل توقيع كتابه، مجرد لحظة حزن عابرة، بل كانت مشهدًا مؤلمًا أثار في نفسي تساؤلات كثيرة عن واقع الكتاب والقراءة في عالمنا العربي، وعن تلك المسافة التي ما زالت تفصل بين الكاتب وجمهوره.
تأثرت بالمشهد، ليس فقط لأنني كاتبة أعرف حجم الجهد الذي يبذله المؤلف حتى يرى كتابه النور، بل لأنني أرى في هذه الحادثة جانبًا من مشكلة ثقافية سبق أن تناولتها في مقالي “من وحي معارض الكتاب” الذي نشر بصحيفة مكة بتاريخ 2 يناير 2025, حين تساءلت عن المفارقة بين ازدحام المعارض بالزوار وضعف الإقبال على اقتناء الكتب.
فكم من معرض كتاب يضج بالحضور، وكم من جناح يزدحم بالزائرين، بينما يجلس مؤلف ينتظر قارئًا يقترب من كتابه، أو يسأله عما كتب، أو يشاركه حديثًا عن فكرة حملتها صفحاته!
وهنا يبرز السؤال: هل خذل الجمهور الكاتب، أم خذلته منظومة صناعة الكتاب وتسويقه، أم أن توقعاته من حفل التوقيع كانت أكبر من طبيعة المناسبة؟
لا أعتقد أن من الإنصاف أن نلقي باللوم كله على الجمهور؛ فالقراءة ذائقة واهتمام واختيار شخصي، وليس مطلوبًا من كل زائر لمعرض الكتاب أن يشتري كتابًا أو يحضر حفل توقيع. كما أن المقاعد الخالية لا تعني بالضرورة أن الكتاب لا يستحق القراءة، أو أن صاحبه لم يقدم ما يستحق الاهتمام.
لكن في المقابل، أين دور الناشر؟ وأين دور الوكيل الأدبي؟
من واقع تجربتي في عالم التأليف والنشر، أرى أن مسؤولية دار النشر لا ينبغي أن تنتهي عند طباعة الكتاب ووضعه على الرفوف، كما أن الوكيل الأدبي لا يُفترض أن يقتصر دوره على إتمام التعاقدات، بل من المهم أن يكون شريكًا في نجاح المؤلف، والتعريف بإنتاجه، والمساهمة في وصوله إلى القراء، كلٌّ بحسب مسؤولياته والتزاماته.
وللأسف، فإن بعض دور النشر والوكلاء الأدبيين لا يمنحون التسويق والترويج ما يستحقانه من اهتمام، ليجد المؤلف نفسه مطالبًا بأن يكتب، ويموّل، ويسوّق، ويبحث عن قارئ، وربما يتحمل في النهاية خيبة غياب الجمهور أيضًا!
ولا يمكن في هذا السياق إغفال الدور الذي نأمله من وزارة الثقافة في دعم الكاتب الجيد، الذي يقدم للقارئ فكرًا أصيلًا ومحتوى يستحق القراءة. فكم من كاتب موهوب يمتلك مشروعًا أدبيًا أو فكريًا متميزًا، لكنه لا يملك الإمكانات المادية أو الوسائل التي تساعده على نشر كتابه والتعريف به وإيصاله إلى جمهوره!
ومن هنا، أتمنى أن تتوسع مبادرات الوزارة في احتضان المواهب الأدبية والفكرية الجادة، ودعم نشر أعمالها وتسويقها وترجمتها، وإتاحة الفرص لها للمشاركة في المعارض والفعاليات الثقافية، وفق معايير مهنية عادلة تراعي جودة المحتوى وقيمته المعرفية والإبداعية. فدعم الكاتب الجيد ليس دعمًا لشخصه فحسب، بل هو استثمار في الثقافة الوطنية، وإثراء للمكتبة السعودية والعربية، وحافز للمبدعين على مواصلة عطائهم.
وما زلت أرى أن من حق المؤلف أن يجد من يسانده ويحفظ حقوقه المادية والأدبية. وقد سبق أن أبديت تحفظي على ما يحدث في بعض منصات التوقيع من مطالبة المؤلف بإهداء كتبه بالمجان، وكأن الوقت والجهد والمال الذي أنفقه على مؤلفه لا قيمة له. ولا أعترض بالطبع على الإهداء حين يكون نابعًا من رغبة الكاتب، لكن أن يصبح أمرًا مفروضًا عليه، فذلك يستحق إعادة النظر.
ومع هذا كله، فإن القضية في نظري أعمق من حفل توقيع لم يحضره أحد، وأكبر من دموع كاتب خذلته توقعاته.
إنها قضية علاقتنا بالقراءة نفسها.
فإذا كنا نريد جمهورًا يقبل على الكتب، ويحرص على لقاء المؤلفين، فلا بد أن نبدأ من الطفل، من البيت الذي يرى فيه أبناؤه والديهم يقرؤون، ومن المدرسة التي تجعل الكتاب مصدر متعة واكتشاف، لا مجرد صفحات للحفظ والاختبار.
كم أتمنى أن نرى في كل مدرسة مكتبة جاذبة، وفي كل حي مكتبة عامة، وفي حدائقنا أركانًا للقراءة يجلس فيها الأطفال مع أسرهم، وأن تصبح مسابقات القراءة واللقاءات مع الكتّاب جزءًا من حياتنا الثقافية، لا مناسبات عابرة تنتهي بانتهاء فعالياتها.
إن غرس حب القراءة لدى النشء ليس ترفًا ثقافيًا، بل استثمار في بناء الإنسان، وفي مستقبل مجتمع يعرف قيمة المعرفة، ويمنح الكتاب المكانة التي يستحقها.
ولا شك أن معارض الكتب تؤدي دورًا مهمًا في هذا الجانب، لكن نجاحها لا ينبغي أن يُقاس بأعداد الزوار وحدها، بل بما تتركه من أثر في عادات الناس القرائية، وبما تحققه من صلة حقيقية ومستدامة بين الكتاب والقارئ.
وأعود إلى دموع حامد ياسين، التي ربما لم يكن يتوقع أن تحظى بكل هذا الاهتمام، فأجدني أتساءل: لماذا احتجنا إلى مشهد كاتب يبكي حتى نلتفت إلى معاناة قد يعيشها غيره من المؤلفين بصمت؟
ولعل المفارقة المؤلمة أن دموعه وصلت إلى جمهور واسع، بينما لم تصل دعوة توقيع كتابه إلى العدد الذي كان يتمناه.
ومع ذلك، لا أرى في المقاعد الخالية حكمًا على قيمة الكاتب، ولا في كثرة الحضور دليلًا قاطعًا على نجاح الكتاب. فكم من كتاب وجد طريقه إلى القراء بعد سنوات من صدوره، وكم من مؤلف لم ينل التقدير الذي يستحقه إلا بعد زمن!
أخيرًا، ليتنا لا نكتفي بالتعاطف مع حامد ياسين، بل نجعل من هذه الحادثة مناسبة لمراجعة واقع النشر والتسويق، وتعزيز دور الوكيل الأدبي، ودعم الكاتب الجيد وإنصافه، والأهم من ذلك كله أن نغرس حب القراءة في نفوس أطفالنا؛ فالكاتب المبدع يحتاج إلى من يدعم إبداعه، كما يحتاج إلى قارئ يعرف قيمته.

