المقالات

خلف كواليس الحكاية الأولى

قبل أسابيع، أقامت جمعية الأدب المهنية، ممثلة في سفارة الأدب بمنطقة الرياض، ورشتين تدريبيتين في مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض، تحت عنوان «حكايتي الأولى»، وقد سعدت وتشرفت بتقديمهما لمجموعة من الأطفال الذين خاضوا خلالهما تجربتهم الأولى في عالم الحكاية والكتابة الإبداعية.

حققت الورشتان نجاحًا أسعدني حينما رأيته في عيون الأطفال وابتساماتهم، وفرحهم بمسودات حكاياتهم الأولى، وحماستهم أثناء روايتهم للحكايات، وملء ما لم يسمح الوقت بتدوينه سردًا من خيالهم، ومناقشة أقرانهم في الأحداث، وعما يمكن تعديله أو إضافته للحصول على حكاية أكثر تشويقًا.

لم تكن الورش بالنسبة إليّ تدريبًا عاديًّا على كتابة الحكاية، بل كانت مساحةً أطللت من خلالها على طريقة الأطفال في التفكير، وعلى ما تحمله قصصهم الأولى من خيال ووعي وتربية. فقد رأيت في كتاباتهم محاولات واعية للتخطيط للحكاية، وخلق الشخصيات، وبناء العقد، وابتكار حلول مدهشة بطريقة تكشف عن تفكيرهم خارج الصندوق أحيانًا، كما لمست في كل ذلك حاجتهم العميقة إلى الإصغاء.

لست هنا اليوم أتحدث عن أحداث الورشة رغبةً في التوثيق فقط -ولا ضير في ذلك- بل لأعرض وقفات استوقفتني أثناء دقائق الورش وبعدها، وحتى قبلها أثناء التحضير والاستعداد. ففي مرحلة التخطيط، ركزت على انتقاء محتوى يناسب أعمارًا تتفاوت ما بين الثامنة إلى قرابة الثالثة عشرة، وهي فئة عمرية سبق لي العمل معها أثناء التدريس كوني معلمة للغة العربية في المرحلة الابتدائية، وأثناء التدريب خارج ساعات الدوام الرسمي في أنشطة كتابية متعددة. ومع أن المحتوى كان واضحًا وسهل الإعداد، فإن تقديمه لأطفال اليوم كان يتطلب تحضيرًا أعمق، واستعدادًا لما قد يطرأ أثناء التدريب من أسئلة لا تخطر على بال البالغ.

أثناء التدريب، حدث بعض ما توقعته في الإعداد، وفاجأني الكثير الآخر. كنت قد أشرت إلى أن طفل اليوم مختلف، وأن هذا الاختلاف ناجم عن تنوع العقليات والخلفيات الثقافية وطرائق التنشئة. وعلى الرغم من اختلاف أعمار الأطفال وجنسهم وجنسياتهم، فقد كشفت الحكايات التي كتبها “كتاب المستقبل” الصغار عن هذه الفروق بوضوح. فمنهم من استنطق الجمادات، وخلق عوالم لم نسمع بها من قبل، وشدنا في سرده حتى صفقنا له بحرارة. ومنهم من أدهشنا حين صنع عقدة قصته، ونسج أحداثًا غير متوقعة، ثم حلها بطريقة تكشف المبادئ التي نشأ عليها، والقيم التي بُني عليها بيته الصغير. عندها أيقنت أن كثيرًا من هؤلاء الصغار نشأوا على حوارات عميقة أسهمت في تشكيل هذه العقليات الرائعة.

وبقدر ما أدهشتني جرأة بعض الأطفال وخيالهم، استوقفتني حال صغار آخرين كانت تتشبث بأقلامهم ترددات الخجل. كان أحدهم يلتقط فكرته بصعوبة، وربما تلعثم صوته، واحمرت وجنتاه وهو يحاول أن يصوغها في جمل بسيطة، كأنه لم يعتد أن يعبر عن ذاته بحرية. وربما كان مقيدًا بقيود اجتماعية تدفعه إلى قياس أفكاره بميزان القبول قبل أن يفصح عنها؛ فيتأمل صفحته البيضاء طويلًا، ثم يكتب وهو يترقب ردة فعل المتلقي، ويبحث في ملامحه عن قبولٍ أو رفض. وهنا تتضح أهمية أن يعتاد الطفل التعبير عن رأيه بوصفه حقًا وحرية، ثم يتعلم بعد ذلك حدود هذه الحرية حين تمس الآخرين أو تتعدى عليهم، فيتشكل لديه رأيه الخاص، ويتعلم أن يقبل ذاته كما يتقبل اختلاف آراء غيره.

إلى جانب حرية التعبير عن الرأي تأتي القراءة المستمرة التي كان أثرها جليا في جمال المفردات، وحسن ترتيب الأفكار، وبراعة بناء الحوارات المقنعة على منصة الحكواتي. وكان هذا الأثر أكثر وضوحًا لدى الأطفال الذين نشأوا على حب القراءة؛ فقد منحتهم القراءة خلفية معرفية، وذائقة نقدية، وقدرة على انتقاء الجمل والعبارات بعناية، فبدت حكاياتهم أكثر تماسكًا وتميزًا. ومن هنا يتضح أن القراءة المكثفة، ومناقشة القصص المقروءة، تسهمان في تشكيل كاتب المستقبل.

وفي ختام الورشتين، غادرتها وأنا أحمل دهشةً أكبر من الحكايات نفسها: كيف لطفلٍ صغير أن يكشف في سطور يسيرة، أو حكاية من صفحة واحدة حكاية كاتب المستقبل، بأسلوبه وطريقة تعبيره، عباراته ومفرداته التي حصدها على طريق القراءة، وأثرها في قدرته على التعبير. لعل الحكاية الأولى ليست بداية كتابة فحسب، بل نافذة نطلّ منها على عقلية الطفل كما هو، وكما يمكن أن يكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى