كتاب الرأي

الصحة تاج على رؤوس الأصحاء.. لا يراه إلا المرضى

«طلاليات»
«الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى».. حكمة طالما سمعناها وترددت على أسماعنا، وربما رددناها دون أن نتوقف كثيرًا عند معناها العميق. لكنها حين تتحول من كلمات تُقال إلى تجربة يعيشها الإنسان بنفسه، فإنها تصبح شيئًا آخر تمامًا؛ تصبح حقيقة تشعر بها في كل نبضة، وكل نفس، وكل لحظة تستعيد فيها شيئًا من عافيتك.

في الأيام القليلة الماضية، مررت بوعكة صحية حادة، دخلت على إثرها وحدة العناية المركزة والحالات الحرجة في مستشفى القوات المسلحة بالهدا، في قسم العزل، وهناك وجدت نفسي أمام تجربة لم تكن في الحسبان.

لم أكن أشعر في بدايتها بما يدور حولي، ثم اشتدت الآلام، ومرت عليّ أيام ثقيلة، كنت فيها شبه فاقد للوعي، وكأن الإنسان يبتعد قليلًا عن تفاصيل الحياة التي اعتاد أن يعيشها كل يوم.

في تلك اللحظات، تتغير أشياء كثيرة في داخل الإنسان.

تكتشف أن أغلى ما تملك ليس المال، ولا الشهرة، ولا المناصب، ولا كثرة الممتلكات، وإنما أن تفتح عينيك صباحًا وأنت معافى، وأن تستطيع أن تمشي على قدميك، وتتحدث مع من تحب، وتسمع أصوات أهلك وأبنائك وأصدقائك، وأن تقول: أنا بخير.

مرت الأيام ثقيلة، ثم جاءت رحمة الله ولطفه.

وبفضل من الله ومنّه وكرمه، بدأت أستعيد عافيتي شيئًا فشيئًا، وبدأ الوعي يعود إليّ تدريجيًا، وغادرت العناية المركزة، ثم أخذت صحتي تستعيد عافيتها يومًا بعد يوم.

كانت من أجمل اللحظات أن بدأت أسمع من جديد رنين هواتف أهلي وأقاربي وزملائي وأحبابي، وأشعر بأن خلف هذا الرنين قلوبًا تسأل، وأرواحًا تدعو، وأناسًا يحملون لي من المحبة والوفاء ما لا تفي الكلمات بوصفه.

عندها فقط تذكرت تلك الحكمة التي طالما سمعناها:

الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.

نعم، لقد رأيت ذلك التاج بعين أخرى.

رأيته في قدرتي على التنفس دون ألم، وفي قدرتي على الحديث، وفي عودتي إلى بيتي، وفي سماعي أصوات من أحب، وفي كل صباح جديد أستيقظ فيه وأنا أشعر أن الله منحني فرصة أخرى للحياة.

ولذلك، فإن الإنسان كثيرًا ما يؤجل شكره للنعم حتى يفقد جزءًا منها، ثم يعرف قيمتها.

نحن نملك نعمًا عظيمة قد لا نلتفت إليها؛ نعمة الصحة، ونعمة الأمن، ونعمة الأهل، ونعمة الأصدقاء، ونعمة القدرة على الحركة والعمل والكلام والنظر والسمع.

كل واحدة من هذه النعم تستحق الحمد.

ومن عاش تجربة المرض، ولو لأيام، يعرف أن أمنية المريض الأولى ليست أن يملك المزيد، وإنما أن يستعيد عافيته.

وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

فالصحة ليست أمرًا عابرًا في حياتنا، بل هي أساس كل شيء.

ومن هنا، أقول لكل من يقرأ هذه الكلمات: لا تنتظر المرض حتى تعرف قيمة صحتك، ولا تنتظر فقدان شخص حتى تعرف قيمة وجوده، ولا تنتظر أن تغلق الأبواب حتى تدرك قيمة الأبواب المفتوحة أمامك.

احمدوا الله على العافية.

واسألوا الله أن يديمها عليكم وعلى من تحبون.

كلمة وفاء لا تفيكم حقكم

وأجدني بعد هذه التجربة مدينًا بكلمة شكر وامتنان لكل من أحاطني بسؤاله ودعائه ومحبته خلال فترة مرضي.

شكرًا من القلب لأهلي وأقاربي، ولأبناء جماعتي وقبيلتي، ولكل من سأل عني وتابع حالتي الصحية، قريبًا كان أو بعيدًا.

وشكرًا لمشايخ قبيلتي وأعيانها ووجهائها، ولكل فرد من أبناء القبيلة والجماعة، ممن كان لسؤاله ودعائه وموقفه أثر في نفسي، وأقول لهم جميعًا: لقد وصلتني محبتكم، وشعرت بصدق مشاعركم، ولن أنسى لكم هذا الوفاء.

وشكرًا لزملائي وإخواني في الوسط الإعلامي والثقافي، من صحفيين وكتّاب ومثقفين وأدباء وأصدقاء، ولكل من تواصل أو اتصل أو أرسل رسالة أو سأل عني، فقد كان لسؤالكم وقع خاص في نفسي.

كما أتقدم بالشكر والعرفان إلى كل من تابع حالتي من أبنائي وبناتي، الذين كانوا قريبين مني بقلوبهم ومشاعرهم، وإلى كل من وقف إلى جانبي أو حمل همّي أو رفع يديه بالدعاء لي.

وأقول لكل من سأل عني، أو دعا لي، أو حاول الوصول إليّ ولم يتمكن، أو أرسل رسالة ولم تصلني في حينها:

عذرًا إن لم أستطع أن أرد على الجميع، وشكرًا لأنكم لم تنتظروا ردًا لتثبتوا محبتكم.

لقد كنت في ظرف صحي لم أكن أملك فيه القدرة على التواصل، لكنني كنت أكتشف مع مرور الأيام حجم المحبة التي تحيط بي.

ولعل أجمل ما خرجت به من هذه المحنة، بعد نعمة الله وفضله، أن الإنسان لا يعيش وحده؛ حوله قلوب تحبه، وأهل يسألون عنه، وأصدقاء يفتقدونه، وزملاء يحملون له الود، وجماعة وقبيلة تشاركه أفراحه وأتراحه.

وهذه نعمة أخرى تستحق الحمد.

أما أنا، وبعد أن منّ الله عليّ بالخروج من هذه المحنة، فلا أملك إلا أن أرفع أكف الضراعة شكرًا لله سبحانه وتعالى، الذي كتب لي عودة جديدة إلى الحياة، وأسأله أن يجعل ما أصابني تكفيرًا ورفعة، وأن يلبسني وإياكم ثوب الصحة والعافية.

واليوم، وأنا أستعيد عافيتي يومًا بعد يوم، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن:

الصحة تاج فعلاً.. وأن هذا التاج لا يشعر بقيمته حقًا إلا من فقده، ثم أعاده الله إليه.

الحمد لله على العافية، والحمد لله على لطفه ورحمته، والحمد لله على كل لحظة عادت فيها الحياة إلى تفاصيلها الجميلة.

اللهم أدم علينا وعليكم نعمة الصحة والعافية، ولا ترينا في أنفسنا ولا فيمن نحب مكروهًا.

محمد سعد الثبيتي
طلاليات

محمد سعد الثبيتي

كاتب زارية «طلاليات»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى