البحث العلمي، في جوهره، محاولة منظمة لفهم مشكلة أو ظاهرة ما، تبدأ بسؤال، ثم تجمع الأدلة والبيانات وتحللها للوصول إلى إجابات علمية تسهم في إنتاج معرفة أو تقديم تفسير أو إيجاد حل لمشكلة ما. لذلك، فإن طبيعة السؤال تحدد عادة المنهج الملائم للإجابة عنه؛ فالسؤال، مثلا، عن حجم الظاهرة وانتشارها يختلف عن السؤال عن أسبابها وسياقاتها وتجارب أصحابها.
في هذا السياق يبرز المنهجان الكمي (Quantitative) والنوعي (Qualitative) بوصفهما من أكثر المناهج شيوعا في البحث العلمي، وخصوصا في رسائل الماجستير والدكتوراة. فالمنهج الكمي يركز على القياس واختبار العلاقات بين المتغيرات، بينما يهتم المنهج النوعي بالسياق والتجربة والمعنى. ورغم فاعلية كل منهما في مجاله، فإن الاختلاف بينهما تحول أحيانا إلى نوع من التحيز الأكاديمي، إذ ينتقد أنصار المنهج الكمي نظراءهم في المنهج النوعي خشية أن تفتح مشاركة الباحث وتفسيراته مجالًا للرؤى والإسقاطات الشخصية، في حين رأى النوعيون أن الاعتماد المفرط على الأرقام قد يختزل الظواهر الإنسانية والاجتماعية المعقدة ويغفل بعض سياقاتها وتجارب أصحابها.
بدأت ألاحظ هذا الاختلاف بوضوح عندما كنت طالب دراسات عليا في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحديدا أثناء الاعداد للاختبار الشامل في مرحلة الدكتوراة ، حيث اخترت المنهجين كتخصص ثالث إلى جانب اكتساب اللغة وعلم اللغة الاجتماعي.. ومن خلال هذه التجربة لمست أن الاختلاف بين أنصار المنهجين لم يكن دائما اختلافا في الأدوات، بل امتد إلى طريقة النظر إلى البحث نفسه، حتى بدا لبعض طلاب الدراسات العليا أن عليهم الانتماء إلى أحد الاتجاهين والدفاع عنه.
ومن العبارات الساخرة التي كانت تتردد في بعض الأوساط الأكاديمية لتصف تجنب النقد أو الانضمام إلى أي من النوعين:
The best research is no research
أي:إذا أردت أن تنجو من النقد، فلا تبحث!.
ومع تراكم الخبرة، بدأت أرى أن المشكلة ليست في وجود مناهج مختلفة، وإنما في تحويل الاختلاف بينها إلى منافسة وربما سجال أكاديمي إلى درجة أن الباحث قد يجد نفسه منشغلا بالدفاع عن المنهج الذي اختاره أكثر من انشغاله بالسؤال الذي جاء البحث للإجابة عنه، بينما قد يكون السؤال نفسه أوسع من أن يحيط به منهج واحد.
من هنا تأتي فكرة «المثلثة المنهجية» (Methodological Triangulation)، التي تقوم على توظيف أكثر من منهج أو أداة أو مصدر للنظر إلى الظاهرة من زوايا متعددة، بما يعزز التحقق من النتائج ويقود إلى فهم أكثر تكاملا لها. وقد دفعتني هذه الرؤية إلى أن أنصح بعض طلابي في الدراسات العليا بألا يجدوا أنفسهم مضطرين إلى الوقوف في صف أحد المنهجين متى كان سؤال البحث يسمح بأكثر من مدخل، فليس المطلوب أن يختار الباحث المنهج الذي ينتمي إليه أو يفضله، وإنما المنهج الذي يخدم سؤاله البحثي، حتى لو اقتضى ذلك الجمع بين أكثر من منهج.
ولهذا فإن السؤال المنهجي الذي ينبغي أن يطرحه الباحثون ليس: أيهما أفضل، الكمي أم النوعي؟ وإنما: ما الذي أستطيع أن أعرفه باستخدام أحدهما وما الذي قد لا أراه إلا باستخدام الآخر؟ ففي الوقت الذي تخبرنا فيه الأرقام كم حدث ، تفسر لنا الكلمة لماذا وكيف حدث ذلك.
• أكاديمي

