بقلوب يعتصرها الحزن، ونفوس مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى زميل الدراسة وصديق الأيام الجميلة، بدر محمد العباسي، الذي انتقل إلى رحمة الله هذا الأسبوع، بعد رحلة مع المرض واجهها بصبر ورضا، حتى آخر أيامه.
رحمك الله يا بدر، يا من لم يكن اسمك وحده يحمل البدر، بل كانت روحك وابتسامتك وأخلاقك تحمل من النور ما جعلك حاضرًا في ذاكرة زملائك وقلوبهم، حتى بعد مرور خمسين عامًا على أيام الدراسة في قسم الإعلام بجامعة الملك عبد العزيز.
ذلك اللقب الذي أطلقناه عليك يومًا، ونحن زملاء في مقاعد الدراسة، لم يكن اسماً للمزاح أو المداعبة فحسب ، بل كان تعبيرًا عن محبة زملاء رأوا فيك إنسانًا مختلفًا؛ خلوقًا، مجتهدًا، محبوبًا، خفيف الظل، حاضر الروح، وصاحب مجلس لا يعرف الجمود، بل تدب فيه الحركة والحيوية والضحكة الصادقة.
كم من ذكريات تجمعنا من تلك الأيام ،وكم من وجوه غابت عن المشهد، لكنها لم تغب عن الذاكرة ،وها نحن اليوم نودع واحدًا من رفاق تلك المرحلة، وكأن الزمن يعيد إلينا صور الشباب، ويفتح دفاتر الذكريات، ليخبرنا أن الأيام تمضي سريعًا، لكن المواقف النبيلة لا تشيخ، والمحبة الصادقة لا تنتهي بانتهاء العمر.
وأي درس أعظم من ذلك الذي تركه بدر في صمته قبل كلماته، وفي ابتسامته قبل شكواه؟
لقد خاض، كما علمنا، معركة قاسية مع المرض، لكنه لم يكن ممن يجعلون أوجاعهم حديث المجالس، أو يحمّلون الآخرين ثقل آلامهم. كان إذا سأله أحد عن حاله، أجاب بابتسامة ورضاً: «الحمد لله».
كم تحمل هذه الكلمات البسيطة من معانٍ عظيمة .
رحمك الله يا بدر، ونسأل الله أن يجعل ما عانيته من مرض في ميزان حسناتك، وأن يكفّر به عنك السيئات، ويرفع به الدرجات، ويجعل صبرك ورضاك واحتسابك نورًا لك في قبرك، وأن يبدلك دارًا خيرًا من دارك، وأهلًا خيرًا من أهلك.
إن بدر البدور لم يكن زميلاً طيب الذكر فحسب، بل كان صاحب مسيرة مهنية تستحق أن تُروى.
فقد شق طريقه العملي في مجال الإعلان وسط ظروف صعبة وإمكانات محدودة، لكنه امتلك ما لا تصنعه الإمكانات وحدها: الإصرار، والذكاء المهني، والقدرة على بناء العلاقات، وفهم طبيعة العمل الصحفي ومتطلباته.
في صحيفتي (عكاظ) و(المدينة)، نجح باقتدار في مجال الإعلانات، وأسهم من خلال جهده وعلاقاته برجال الأعمال في تعزيز إيرادات المؤسستين ، إدراكًا منه أن الإعلان ليس مساحة تُباع على صفحات الصحف فحسب، بل هو أحد الأعمدة الأساسية التي تستند إليها صناعة الصحافة واستمرار مؤسساتها.
وهنا تتجلى قيمة الإنسان الذي لا ينتظر أن تكون الطريق ممهدة أمامه، بل يشقها بإرادته، ويصنع من الفرص المحدودة نجاحًا يستحق التقدير.
ومن الوفاء ما يتجاوز حدود الحياة، فكيف إذا ظل الإنسان وفيًّا حتى بعد الرحيل؟
ارتبطت مسيرة بدر المهنية ارتباطًا وثيقًا بالأستاذ محمد صلاح جمجوم، أحد رموز الصحافة السعودية رئيس مجلس إدارة مؤسسة المدينة، وعمل معه وحقق نجاحات مهنية مهمة.
غير أن ما يستوقفنا في سيرة بدر ليس النجاح العملي وحده، بل وفاؤه الذي لم يتوقف عند انتهاء العمل أو مرور السنوات؛ فقد وثّق مسيرة الأستاذ محمد صلاح جمجوم في كتاب تاريخي، ليحفظ جانبًا من تجربته للأجيال القادمة.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: كم من إنسان ينسى أصحاب الفضل بعد أن تنتهي المصالح؟!، وكم من إنسان يظل وفيًّا، يحفظ الجميل، ويصون الذاكرة، ويمنح من أحسنوا إليه مكانهم المستحق في سجل التاريخ؟
لقد كان بدر من أولئك الذين فهموا أن الوفاء ليس كلمة تُقال، بل موقف يُترجم إلى عمل، وأن الرجال لا يُكرَّمون فقط في حياتهم، بل تبقى سيرتهم جديرة بالتوثيق بعد رحيلهم.
أما أجمل ما في سيرة بدر، فربما كان ذلك الجانب الإنساني الذي لم تكن الأضواء تعرفه.
كان كريمًا معطاءً، محبًّا للخير، يبحث عن المحتاجين، ويساند الفقراء، ويكفل أسرًا محتاجة، ويقدم العون لمن ضاقت بهم السبل. لم يكن الخير عنده أمنية فحسب، بل كان فعلًا وموقفًا ومسؤولية إنسانية.
هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن نتوقف أمامه طويلًا: ما الذي يبقى للإنسان بعد أن يغادر الدنيا؟ أهي المناصب التي تتبدل، أم الأموال التي تنتقل، أم الألقاب التي ينساها الناس مع مرور الوقت؟ أم تبقى يد امتدت بالعطاء ،وأسرة وجدت من يسندها في
وقت الشدة، وإنسان شعر أن الدنيا ما زالت بخير، لأن بدرًا مرّ في حياته؟
رحم الله بدر البدور، الذي جمع بين أخلاق الزمالة، ونجاح المهنة، وكرم الإنسان.
يا رفيق أيام الدراسة، يا صاحب الابتسامة وخفة الظل، يا من بقيت صورتك في الذاكرة مرتبطة بالجد والاجتهاد والمودة والوفاء، لقد رحلت عن أعيننا، لكنك تركت وراءك سيرة تستحق أن تُروى، وذكريات تستحق أن تُستعاد، وأثرًا إنسانيًا نسأل الله أن يجعله شاهدًا لك لا عليك.
رحلت، وبقي اسمك بين زملائك، وبقي لقبك الذي أحببناك به: بدر البدور. وكأننا اليوم نعيد نداءك للمرة الأخيرة، لا لنودعك فحسب، بل لنقول إن بعض الأصدقاء لا يغادرون حياتنا تمامًا؛ لأنهم يسكنون الذاكرة، وتبقى مواقفهم حاضرة كلما تحدثنا عن الوفاء والأخلاق وأصالة الرجال.
اللهم ارحم بدر بن محمد العباسي رحمة واسعة، واغفر له، واعفُ عنه، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، وآنس وحشته، ونوّر قبره، واجعل مرضه وصبره ووجوه الخير التي سعى فيها في ميزان حسناته. اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، وارزقه الفردوس الأعلى بغير حساب ولا سابقة عذاب.
اللهم اربط على قلوب أهله وزوجته وأحبائه وزملائه، وألهمهم الصبر والسلوان، واجبر مصابهم جبرًا يليق برحمتك الواسعة.
إنا لله وإنا إليه راجعون…




