كتاب الرأي

الكاتب.. يحلّ ضيفًا على التجارب دون أن يدري

ينجح الكاتب اجتماعيًا نجاحًا مذهلًا، دون أن يقصد، ويبلغ من القلوب ما قد يعجز عن بلوغه أصحابها، دون أن يغادر مكانه أو يعرف وجوه الذين وصل إليهم. فما إن يضع نصه بين أيدي القرّاء، حتى تبدأ للكلمات حياة أخرى، لا يملك الكاتب تحديد مساراتها، ولا يعرف إلى أي الأبواب ستصل، وأي القلوب ستطرق، وأي الحكايات ستوقظ.

إنه الحاضر في مجالس لم يُدعَ إليها، والضيف في بيوت لم يدخلها، والشاهد على تجارب لم يعشها، والمتحدث بلسان أناس لم يلتقِ بهم. يكتب عن وجعٍ فيجد صاحبه أن أحدًا قد نطق بما عجز عن قوله، ويصف موقفًا فيتناقل النص من عاشه وذووه وأصدقاؤه، وربما لم يقرأه المعنيّ بالأمر، لكن أحد العارفين بحكايته سيتكفّل بإيصاله إليه، وكأن الكلمات تعرف أصحابها ولو جهل الكاتب عناوينهم.

والأعجب أن أثر الكاتب لا يقف عند حدود من عاش التجربة؛ فقد يقرأه من لم تطرق التجربة بابه بعد، فيستيقظ وعيه، ويأخذ حذره، ويتدارك أمرًا كان سيمضي إليه غافلًا. وهنا تبلغ الكتابة أرفع مقاماتها؛ حين لا تكتفي بوصف ما حدث، بل تحول دون حدوث ما كان يمكن أن يحدث.

فالكاتب ليس ملكًا حصريًا لنفسه منذ اللحظة التي اختار فيها أن يكون للكلمة صاحبًا؛ لقد تنازل، دون أن يدري، عن خصوصية صوته، وأصبحت أفكاره جزءًا من الذاكرة الاجتماعية، تتداولها الألسن، وتستعيرها القلوب، وتستشهد بها التجارب. وقد ينسى الناس اسمه، لكنهم يحتفظون بعبارة أنقذتهم من قرار، أو أعادت إليهم اعتبارًا، أو كشفت لهم حقيقة تأخروا في إدراكها.

ولعل أعظم ما في الكتابة أن صاحبها لا يعلم على وجه اليقين مقدار ما صنع. فقد ينام بعد نشر مقاله، وفي مكان بعيد إنسان يعيد النظر في حياته، وآخر يسترد شجاعته، وثالث يتراجع عن ظلم، ورابع يجد في سطر واحد عزاءً لم تمنحه إياه أحاديث طويلة.

لله درّ الكاتب حين يبلغ أثره حيث لا يبلغ حضوره، وحين تصبح كلماته ملكًا لمن احتاج إليها أكثر مما هي ملك لمن كتبها.

فليست عظمة الكاتب في عدد الذين قرؤوه، بل في عدد الذين وجدوا أنفسهم فيما كتب، ولا في اتساع شهرته، بل في عمق أثره؛ فبعض الناس يتركون أثرهم حين يحضرون، أما الكاتب فقد يغيّر حياة إنسان لم يره، وينقذ قلبًا لم يعرفه، ويترك في الدنيا شيئًا منه، بعد أن يغيب عنها كله..

عزة عبدالرحمن الغامدي

مدير إدارة الاستثمار - كلية الباحة الأهلية للعلوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى