في عام 2017م، عندما كانت تطبيقات التوصيل في المملكة لا تزال في بداياتها، كان شباب سعوديون في وادي مكة للتقنية بجامعة أم القرى يعملون على مشروع ريادي يحمل اسم «توصيل»، يقوم على ربط المستهلك بمندوبي التوصيل عبر تطبيق إلكتروني يتيح طلب الاحتياجات من المطاعم والأسواق والمحلات التجارية، في تجربة سبقت الانتشار الواسع لهذه الخدمات التي أصبحت اليوم جزءًا من حياتنا اليومية.
كان «توصيل» فكرة طلابية وتطبيقًا أنتجته شركة ناشئة احتضنها وادي مكة للتقنية بدعم من الجامعة، وبذل القائمون عليه جهودًا كبيرة في التخطيط والتطوير والتسويق، ونجحوا في بناء شبكة من الشراكات مع علامات تجارية محلية وعالمية، في وقت كان فيه تطبيق «مرسول» من أبرز التجارب العاملة في هذا المجال.
ومن بين تلك الشراكات «سوبيا الخضري»، الاسم المرتبط بذاكرة المكيين وموائد الإفطار الرمضانية، حيث كانت طوابير المشترين تمتد أمام المحل، ويبدأ بعضهم الانتظار منذ ما بعد صلاة الظهر للحصول على مشروب السوبيا. وجاء «توصيل» ليقدم حلًا تقنيًا يختصر ساعات الانتظار، ويتيح وصول الطلبات إلى المستهلكين، في تجربة عكست قدرة الشباب على تحويل احتياجات المجتمع اليومية إلى خدمات رقمية مبتكرة.
ورغم أهمية التجربة، فإن بعض التناولات الإعلامية آنذاك انشغلت بالجدل حول مشروب السوبيا، وغاب عنها الجانب الريادي للمشروع الذي كان يستحق اهتمامًا أكبر، باعتباره تجربة سعودية مبكرة في قطاع الخدمات الرقمية.
ولم تكن مؤشرات المشروع متواضعة؛ فقد وصل عدد مرات تحميل التطبيق إلى 55 ألفًا، واستقطب نحو ثلاثة آلاف مندوب في مكة المكرمة وجدة، وسجل نموًا بنسبة 400% منذ انطلاقه في يناير 2017م، وكان يتيح للمندوب تحقيق دخل شهري يبلغ نحو 1500 ريال مقابل توصيل طلبين يوميًا. إلا أن المشروع توقف لاحقًا بعدما واجه تحديات مرتبطة بالإجراءات الاستثمارية في تلك المرحلة، لتنتهي تجربة كانت تحمل فرصًا واعدة للنمو والتوسع.
ولعل ما يستحق الإشادة في هذه التجربة الدور الذي اضطلع به معالي الدكتور بكري بن معتوق عساس، مدير جامعة أم القرى آنذاك، في دعم وادي مكة للتقنية واحتضان المشروعات الريادية، فقد كان يدير الجامعة بفكر رجل الأعمال الخبير والمطلع على التجارب العالمية، مدركًا أهمية تحويل المعرفة الأكاديمية إلى مشروعات اقتصادية، ومستفيدًا من تجربة وادي السيليكون الأمريكي في ربط الجامعات بالابتكار والاستثمار، وإتاحة الفرصة أمام الشباب لتحويل أفكارهم إلى منتجات وخدمات يستفيد منها المجتمع.
واليوم، بعد نحو تسع سنوات، أصبحت تطبيقات التوصيل قطاعًا اقتصاديًا واسعًا تتنافس فيه شركات كبرى، وتوسعت خدماتها لتشمل الطعام والدواء والمشتريات والطرود، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجربة شباب مكة الذين أدركوا مبكرًا فرص هذا السوق.
ومن هنا أتساءل: لماذا لا تعيد جامعة أم القرى، ممثلة في وادي مكة للتقنية، النظر في مشروع «توصيل»، وتدرس إمكانية إحيائه وتطويره بما يتناسب مع احتياجات المرحلة الحالية، من خلال شراكات مع وزارة الحج والعمرة أو الغرفة التجارية بمكة المكرمة؟
فمكة المكرمة تمثل بيئة استثنائية لمثل هذه الخدمات، بما تستقبله من ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار، وما تتطلبه خدمتهم من حلول رقمية مبتكرة تسهّل وصول احتياجاتهم إلى أماكن إقامتهم، وتفتح فرصًا اقتصادية جديدة لشباب مكة. ويمكن أن تشكل الشراكة المقترحة مع وزارة الحج والعمرة فرصة لتطوير خدمات متخصصة لضيوف الرحمن، فيما يمكن للغرفة التجارية بمكة المكرمة الإسهام في ربط المشروع بقطاع الأعمال والمستثمرين والعلامات التجارية، بما يعزز فرص استدامته وتوسعه.
وحتى لو كانت المنافسة في السوق الواسعة تتطلب استثمارات كبيرة، فإن المجتمع الجامعي يمكن أن يمثل نقطة انطلاق مناسبة لتجربة مطورة تخدم الطلاب وأعضاء هيئة التدريس ومنسوبي الجامعة، قبل التوسع التدريجي إلى المجتمع المكي وضيوف الرحمن، وفق دراسة جدوى تستفيد من التجربة السابقة ومتطلبات السوق الحالية.
إن إعادة إحياء «توصيل» لا تعني بالضرورة استعادة التطبيق بصورته القديمة، وإنما الاستفادة من تجربته وتطوير نموذج جديد يوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية الحديثة، ويستفيد من الخبرات التي اكتسبها الشباب الذين أسسوا المشروع.
لقد سبق شباب مكة زمانهم عندما فكروا في «توصيل»، ووجدوا في جامعة أم القرى بيئة احتضنت طموحهم، قبل أن تعترض طريقهم تحديات الاستثمار في تلك المرحلة. واليوم، تستحق هذه التجربة أن تُستعاد بالدراسة والتطوير، وأن يُحتفى بأصحابها الذين أثبتوا أن الجامعات السعودية قادرة على إنتاج أفكار ريادية تستشرف احتياجات المستقبل.
فهل يعود «توصيل» من جامعة أم القرى، بشراكة مؤسسية تمنحه فرصة جديدة في ريادة الأعمال وخدمة مكة المكرمة وضيوف الرحمن؟
