«طلاليات»
التواضع سمة الكبار، وعنوان النفوس الراقية، ودليل على رجاحة العقل ونبل الأخلاق. فالكبار حقاً هم الذين يدركون أن المكانة لا تُقاس بعلو المناصب، ولا بكثرة الأموال، ولا بما يحيط بالإنسان من مظاهر الوجاهة، وإنما بما يحمله في قلبه من إيمان، وفي نفسه من نقاء، وفي تعامله مع الآخرين من احترام وتقدير.
ومن عرف قدر نفسه لم يتعالَ على غيره، ومن أدرك أن الدنيا زائلة لم تغره مناصبها، ولم تجعله يظن أنه فوق الناس منزلة أو شأناً. فالتواضع خلق عظيم، لا ينقص من قدر صاحبه، بل يزيده محبة وقبولاً ورفعة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله». وما أعظم هذا المعنى؛ فرفعة الإنسان الحقيقية ليست فيما يفرضه على الآخرين من هيبة مصطنعة، ولا فيما ينتزعه منهم من احترام بالخوف أو المجاملة، وإنما فيما يتركه في نفوسهم من أثر طيب وسيرة حسنة.
إن الكبر لله وحده، فهو سبحانه المتفرد بالعظمة والكبرياء، ولا يليق بمخلوق أن ينازع الخالق في صفة من صفاته، أو يتصرف وكأنه فوق المحاسبة والنقد، لمجرد أنه امتلك منصباً أو جاهًا أو مالاً أو شهرة.
وكم من إنسان ارتقى في المناصب، لكنه سقط من أعين الناس بسبب غروره وتعاليه! وكم من إنسان بسيط لا يملك من الدنيا كثيراً، لكنه كبير في أعين الجميع بأخلاقه وتواضعه وطيب معشره.
وليس التواضع أن يُهين الإنسان نفسه، أو يتنازل عن كرامته وحقوقه، فهناك فرق كبير بين التواضع والذل؛ فالمتواضع عزيز النفس، يحترم الآخرين دون أن ينتقص من قدر نفسه، ويستمع إلى الرأي المخالف دون أن يرى في ذلك ضعفاً، ويعتذر إذا أخطأ دون أن يعتبر الاعتذار انتقاصاً من مكانته.
إن بعض أصحاب المناصب والمسؤوليات أحوج الناس إلى التواضع؛ لأن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، والوجاهة مسؤولية قبل أن تكون مكانة اجتماعية. ومن المؤسف أن ينسى بعض الناس أن المناصب لا تدوم، وأن الأحوال تتغير، وأن الأيام دول، وأن ما يملكه الإنسان اليوم قد يفقده غداً.
فلا تجعل مكانتك سبباً في الابتعاد عن الناس، ولا تجعل نجاحك باباً للتعالي عليهم، ولا تظن أن كثرة من حولك تعني بالضرورة محبتهم لك؛ فالمحبة الحقيقية تُكتسب بالتواضع والصدق وحسن التعامل.
ولنتذكر دائماً أن الإنسان لا يكبر في أعين الآخرين بما يقوله عن نفسه، بل بما يقدمه من مواقف، وما يتحلى به من أخلاق، وما يتركه من ذكر طيب بعد رحيله.
فالسماء لا ترتفع بالضجيج، والرجال لا تكبر بالغرور، وإنما تكبر بأخلاقها وتواضعها. ومن تواضع لله رفعه، ومن تكبر على خلق الله وضعه الناس قبل أن تضعه الأيام.
هذه هي رسالة التواضع التي نحتاج إليها في حياتنا، وفي بيوتنا، وفي مؤسساتنا، وفي علاقاتنا الإنسانية: أن نكون كباراً بأخلاقنا، لا بمظاهرنا، وأن نرتفع بتواضعنا، لا بتعالينا.
