المقالات

مستشار الغفلة!!

في كل عائلة، على الأرجح، شخص لا تحتاج معه إلى محرّك بحث، ولا إلى حجز موعد مع مختص؛ يكفي أن تطرح سؤالاً في مجلسه، حتى يتكفّل بالإجابة عنه، وعن ثلاثة أسئلة لم تسألها، ثم يشرح لك لماذا أخطأ الذين سألتهم قبله! تستشيره في شراء سيارة، فيشرح لك عيوب المحرّك وناقل الحركة، ثم يلاحظ طريقة جلوسك، فيشخّص ألم ركبتك، ومن الركبة ينتقل إلى الغذاء، ومن الغذاء إلى تربية الأبناء، ثم ينتهي إلى تحليل العلاقات الدولية، قبل أن يُصبّ له فنجان القهوة الثاني! هذا هو «مستشار الغفلة»؛ مستشار «بتاع كله»، لا تعوقه حدود التخصص، ولا يحرجه نقص المعلومات. ولا تسأل: من اعتمده؟ فقد يفتح سؤالك محاضرة عن الاعتماد، وربما اكتشفت أنه كان مستشاراً لمن وضعوا معاييره! وليس ضرورياً أن تطلب رأيه؛ فهو متطوع يعتبر أي سؤال في المجلس نداءً موجهاً إليه شخصياً. تسأل طبيباً عن ألم ركبتك، وما إن يفتح فمه، حتى يدخل صاحبنا، بلا إحم ولا دستور: «هذا من قلة الحركة، امشِ ويختفي!». وهكذا تحصل على التشخيص والعلاج قبل أن يعرف الطبيب أيّ الركبتين تؤلمك! ولو سألت مهندساً عن تشققات في الجدار، قال صاحبنا: «عادي، البيت عندنا كله كذا!». فسلامة منزله، الذي لم يسقط حتى الآن، شهادة هندسية تكفي لطمأنة الحي بأكمله! أما المختص فيحاول التدخل، فيوقفه: «لحظة يا دكتور، خلّني أوضّح له». ثم يلتفت إليه بعد فراغه قائلاً: «صح، وإلا أنا غلطان؟». وهنا يعود الاعتراف بمؤهلات الرجل لغرض محدد: المصادقة على ما قاله!

وإذا عدت إلى سؤالك عن السيارة، قال: «ابتعد عنها، واحد أعرفه أخذها وتورّط». تسأله عن العطل، فيجيب: «لا أتذكر، لكن الرجل باعها». وبذلك تصبح عملية البيع تقريراً فنياً! تقترح أخرى، فيقول: «شكل فقط!». وبعد استعراض الخيارات تكتشف أن وسيلة النقل الوحيدة التي نجت من تقييمه هي المشي، فتستبشر بأنك وجدت حلاً للمواصلات والركبة معاً! والمصدر الأساسي لمعلوماته شخصية غامضة اسمها: «واحد أعرفه». وهذا الواحد جرّب جميع السيارات، وعمل في أكثر من وزارة، وله قريب في كل مستشفى، ويعرف رجلاً «واصلاً» يطّلع على أمور لا تُقال في المجالس، لكنها، لحسن حظنا، تُقال في مجلسنا! فإذا ذكرت تقريراً يخالف كلامه، أجاب: «التقارير شيء، والواقع شيء آخر». وإذا استشهدت بمختص، قال: «مع احترامي له، هذا كلام كتب». وعندها تدرك أن سنوات دراسة المختص كانت ستُختصر كثيراً لو أنه عرف ذلك الواحد! لكن الحكاية تصبح أقل طرافة حين يكون مستشار الغفلة مختصاً بالفعل، ثم يتعامل مع تخصصه بوصفه تصريحاً مفتوحاً للإجابة عن كل شيء. تذهب إلى طبيب عيون، فتجده يجزم بما ينبغي فعله في جراحة المخ والأعصاب، وتستشير طبيب عظام، فيحسم لك قراراً في جراحة القلب! وكأن أعضاء الجسم أقسام متجاورة في متجر، يستطيع البائع أن يغطيها كلها إذا خرج زميله للصلاة!

والمقصود هنا ليس شرح معلومة عامة أو توجيه المريض إلى المختص، وإنما إصدار أحكام وتوصيات تتجاوز حدود التأهيل والخبرة. فالمشكلة أن السائل قد يثق بهذه الإجابة اعتماداً على اللقب، دون أن ينتبه إلى أن صاحبه غادر مجاله منذ ثلاثة أسئلة! والشهادة المعلّقة خلف المكتب تثبت تخصصاً معيناً، ولا تعني أن حاملها حصل على وكالة حصرية لفهم الإنسان من القرنية إلى الكعب! وقد يكبر مستشار الغفلة حتى يصبح مؤسسة لها شعار ومبنى وقاعة اجتماعات؛ تقدم الدراسات والخطط في مجالها وخارجه، وتشرح للآخرين كيف يطوّرون أعمالهم، بينما موظفوها يتمنّون نسخة للاستخدام الداخلي! تصمّم برامج لتحسين التواصل، بينما الموظف لا يعرف لمن يرفع طلبه، وتوصي بتفويض الصلاحيات، فيما شراء علبة أقلام ينتظر توقيع المدير العام! ولا يُشترط أن تكون المؤسسة مثالية حتى تنصح غيرها، لكن من حق المتلقي أن يسأل عن خبرتها في المجال، وعن نصيبها من تطبيق ما تقترحه. أما أن تتحدث عن كل تخصص، وتبيع حلولاً لم تختبرها، فذلك مستشارنا نفسه، وقد استبدل فنجان القهوة بعرض تقديمي وفاتورة! ولصاحبنا موقف حازم من الإنترنت والمواقع المتخصصة؛ فما إن تستشهد بأحدها، حتى يحذّرك: «لا تصدّق كل ما تقرأ!». وهي نصيحة وجيهة، لولا أنه يتبعها بمعلومة نقلها عن رجل قابله في استراحة، ولم يسأله حتى عن اسمه! وإذا ذكرت الذكاء الاصطناعي، قال: «هذا يجمّع كلاماً من هنا وهناك». فتتأمل مصادره قليلاً، ثم تقرر ألا تفسد الجلسة!

ومن حقه التنبيه إلى أخطاء هذه الأدوات وضرورة التحقق منها، لكن جرّب أن تعرض عليه معلومة موثقة تخالف رأيه؛ سيكبّر اسم الموقع ويسألك: «ومن وراء هذا الموقع؟». ولعل اعتراضه ليس كله خوفاً عليك؛ فهذه الخدمات تهدد بكساد بضاعته، ولا تبدأ إجاباتها بعبارة: «أنا قلت لك، لكنك ما تسمع الكلام!». وربما أقلقه أن يجلس بكامل خبراته، ولا يسأله أحد إلا: «نزيدك قهوة»؟ والإنصاف يقتضي الاعتراف بأنه قد يكون محباً لأهله، سعيداً بخدمتهم. وربما بدأ بنصيحة موفقة في شراء ثلاجة، فأثنت عليه العائلة، ثم توسّع النشاط حتى صار يُفتي في الاقتصاد العالمي، مع أن نجاحه الأول لم يتجاوز حفظ الخضراوات! ولنا دور في ذلك؛ نسأله عن كل شيء، وربما قال مرة: «لا أعرف»، فأجبناه: «معقول؟ أنت ما تعرف؟!»، فأغلق الباب حفاظاً على سمعته. وقد نجد شيئاً منه في أنفسنا؛ نسمع موضوعاً لا نعرف عنه إلا عنوانه، فنشرع في الشرح، آملين أن تصل الفكرة قبل أن تنتهي الجملة! بينما تمنحنا «لا أعرف» فرصة للتعلم، وتمنح السائل فرصة للوصول إلى من يعرف. ولن تنقص قيمة المختص إذا أحال السؤال إلى زميل أدرى منه، ولا مكانة المؤسسة إذا اعتذرت عن عمل يتجاوز خبرتها؛ فمعرفة حدود الاختصاص جزء من إتقانه.

وختاماً، أكاد أجزم أن صاحبنا، لو قرأ هذا المقال، سيضحك ويقول: «أعرف واحد تنطبق عليه هذه الصفات تماماً!». وبعدها سيشرح لنا الأسباب النفسية لسلوكه!

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى