لم يعد التدخل الإماراتي في اليمن مجرد اختلاف في الرؤى داخل التحالف، ولا يمكن تبريره بسوء تقدير سياسي عابر، بل بات مساراً ممنهجاً يستهدف عرقلة استعادة الدولة اليمنية وتقويض مسيرة الحوار الوطني التي ترعاها المملكة العربية السعودية في الرياض، في لحظة مفصلية يحتاج فيها اليمن إلى تهدئة مسؤولة لا إلى مغامرات عبثية. وقد شكّل احتضان أبوظبي لعيدروس الزبيدي، ومنحه منصة سياسية وإعلامية للتحريض وإطلاق التصريحات غير المسؤولة، تحدياً مباشراً لجهود السلام ورسالة سلبية لليمنيين وللإقليم بأسره. فبدل أن يكون هذا الدعم عامل ضبط وتهدئة، تحول إلى وقود للفوضى، تُرجم عملياً في الدعوات إلى التصعيد في عدن وسقطرى، في توقيت حساس لا يخدم سوى مشاريع التفكيك. والمفارقة المؤلمة أن أبوظبي، بدل مراجعة موقفها وتحمل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، مضت في سياسة المكابرة، سياسة لم تكتفِ بتقويض التحالف، بل دفعت الأمور إلى حد اضطرار التحالف العربي إلى إنهاء الوجود الإماراتي في اليمن بعد تجاوز دوره كل الخطوط المتفق عليها، وتحوله من دعم الشرعية إلى صناعة كيانات موازية تنازع الدولة سلطتها. إن ما يجري يؤكد أن الإمارات لم تعد تتصرف كشريك في تحالف عربي، بل انتقلت إلى نموذج «الدولة الوظيفية» التي تؤدي أدواراً تخدم أجندات خارجية، قبل أن تنزلق أكثر إلى مربع التحالف العضوي مع الكيان الصهيوني، وهو تحالف يتجلى في السلوك السياسي والأمني وفي الخرائط غير المعلنة التي تُنفذ على الأرض.
فما يُراد لليمن ليس حالة استثنائية، بل حلقة ضمن مخطط أوسع يمكن وصفه بلا مواربة بأنه مشروع «صهيو-إماراتي» يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية في عدد من الدول العربية المنهكة. اليمن وليبيا والسودان والصومال ساحات تنفيذ مباشرة، بينما تُدار ساحات أخرى بأساليب أقل صخباً لكنها لا تقل خطورة في نتائجها. ويعزز هذا التوصيف ما أُثير من اتهامات دولية متصاعدة بشأن دعم الإرهاب عبر واجهات اقتصادية، حيث كشفت عقوبات وإعلانات رسمية دولية عن استخدام شركات إماراتية كأدوات مالية ولوجستية لتمويل جماعات مسلحة داخل اليمن وخارجه. ولم يقتصر هذا الدور على التمويل، بل شمل تغذية النزاعات وتجهيز المرتزقة، بما يرفع الأمر من تجاوزات فردية إلى نمط ممنهج يوظّف الاقتصاد في خدمة الصراع. وفي السياق اليمني، كان المجلس الانتقالي الجنوبي التعبير المحلي الأوضح عن هذا النهج؛ أداة سياسية وأمنية جرى تضخيمها وتسليحها لتقويض الدولة وتحويل عدن إلى ساحة نفوذ مفتوحة، بما عطّل مؤسسات الشرعية وهدد الأمن الإقليمي والملاحة الدولية. فهذا المشروع يقوم على تفكيك الدولة الوطنية، ودعم المليشيات، وتعطيل الجيوش النظامية، والسيطرة على الموانئ والجزر والممرات الاستراتيجية، بما يضمن خنق القرار السيادي وتحويل الدول إلى مساحات رخوة سهلة التوظيف في صراعات لا مصلحة لشعوبها فيها.
من هنا، فإن الإنذار الموجّه إلى أبوظبي ليس موقفاً انفعالياً، بل ضرورة أمنية وأخلاقية. اليمن خط أحمر، وأمنه جزء لا يتجزأ من أمن المملكة والمنطقة، وأي عبث باستقراره يُعد استهدافاً مباشراً للأمن القومي العربي، ولن يُقابل بعد اليوم بالصمت أو المجاملة السياسية. لقد آن الأوان لفضح هذه الأدوار بوضوح، ووضع حد للتدخلات التي تتغذى على الفوضى، والتأكيد أن التحالف مع قوى الاحتلال لا يمكن تمريره تحت أي لافتة أو تسويقه بوصفه سياسة سيادية. ومن هذا المنطلق، تتحمل المنظمات الإقليمية مسؤولية تاريخية لا تقبل التأجيل، إذ يصبح تدخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، واجباً سياسياً وأمنياً لإدانة هذه المغامرات العبثية ووضع حدٍّ صريح لأدوارها المهدِّدة للاستقرار. فخطورة هذه السياسات تجاوزت الإطار اليمني، وباتت تمسّ أمن المصالح الإقليمية والدولية، وعلى رأسها أمن الملاحة البحرية وسلامة الممرات الحيوية، وهي شرايين للتجارة العالمية لا ساحات نفوذ قابلة للعبث. ولا يمكن فصل هذه السلوكيات عن سوابق إقليمية خطيرة تمسّ جوهر أمن الخليج غير القابل للتجزئة، كما ظهر في محاولات العبث بأمن سلطنة عُمان، التي شكّل استقرارها ركيزة توازن خليجي. فقد مثّلت تلك المحاولات إنذاراً مبكراً بأن المساس بأمن أي دولة خليجية هو مساس مباشر بأمن المنظومة بأكملها.
وختاماً، تبرز مسؤولية داخلية على العقلاء من شيوخ الإمارات المتزنة لردع سياسات التفرد والمغامرة التي لا تهدد اليمن والخليج فحسب، بل تضع الاتحاد الإماراتي نفسه أمام مخاطر سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية متصاعدة، وتُنذر بتداعيات تطال الثقة والاستثمار وتعمّق الاختلالات التنموية، خصوصاً في الإمارات الشرقية التي تعاني من التهميش في صناعة القرار. فالتاريخ الخليجي قام على التوازن والحكمة، لا على القفز في المجهول ولا على الارتهان لمشاريع خارجية، والحكمة وحدها كفيلة بحماية الاتحاد من تبعات سياسات لا تخدم لا الإمارات ولا محيطها الخليجي والعربي.
0

