المقالات

لماذا تستثمر المملكة في حدث يستمر أيامًا؟

«سلسلة: هندسة الرؤية»

كل عام، تتحرك المملكة كأنها تستعدّ لحدث وطني يستمر عقدًا.

ميزانيات ضخمة، توسعات بنية تحتية، تطوير تقني، تعبئة قطاعات حكومية كاملة: نقل، صحة، طاقة، اتصالات، أمن، بيانات، خدمات لوجستية. شركات سعودية ودولية، فرق متخصصة، مراكز قيادة، طائرات مسيّرة، توأم رقمي، خوارزميات، مستشعرات.

ثم ينتهي كل هذا في عشرة أيام.

والمفارقة أعمق مما تبدو عليه.

المملكة تدير موسم الحج هذا العام في ظل استنفار استراتيجي حقيقي. المنطقة تشهد حروبًا مفتوحة وتوترات متلاحقة. ومع ذلك تصل أفواج الحجاج من كل أصقاع الأرض، تتحرك بين المشاعر، وتؤدي نسكها، وتعود إلى بلدانها بشعور واحد: الأمان.

هذا الشعور هو الإنجاز الحقيقي. أن يصل الحاج من بلد يتابع أخبار الاضطرابات في الإقليم، ثم يجد في المشاعر طمأنينة تدفعه إلى التركيز على عبادته وحدها، فذلك لا يتحقق صدفة. خلفه منظومة تعمل على مدار العام حتى يصبح الأمن الذي يلمسه الحاج أمرًا مُسلَّمًا به، رغم أن تحقيقه في هذا الحجم من التعقيد ليس مُسلَّمًا به أبدًا.

قائد أمن الحج الفريق محمد بن عبدالله البسامي عبّر عن هذا المعنى بدقة: “ما يتحقق في مكة والمشاعر المقدسة ليس عملاً موسميًا مؤقتًا، بل امتداد لمنظومة تطوير متكاملة تُمارس على مدار العام.”

هذا السياق يجعل السؤال حادًا: لماذا تستثمر دولة تحت كل هذا الثقل الاستراتيجي هذا الحجم من الجهد في حدث يستمر أيامًا معدودة؟

الإجابة الأولى التي تأتي للذهن: خدمة ضيوف الرحمن. صحيحة، ولا تفسّر الحجم.

خدمة ضيوف الرحمن مهمة تتصل بمكانة المملكة الدينية ومسؤوليتها التاريخية تجاه الحرمين الشريفين. إدارة هذه المهمة على مستوى ملايين البشر تتحول إلى واحدة من أعقد العمليات التشغيلية في العالم.

الإجابة الأعمق تبدأ من قراءة مختلفة للحج.

الحج يجمع أربع خصائص نادر اجتماعها في حدث واحد على الأرض. كثافة بشرية تصل إلى حدودها الحرجة — قطار المشاعر وحده نقل قرابة مليون حاج خلال أيام معدودة. حساسية زمنية تجعل دقيقة واحدة فارقًا تشغيليًا — مركز الاتصال الموحد استقبل 171 ألف اتصال بمتوسط استجابة أربع ثوانٍ. مخاطر حقيقية لا تحتمل المحاكاة المعقمة. وتكرار سنوي في المكان نفسه، بالشعائر نفسها، مع فرصة لتحسين كل تفصيل بناءً على دروس الموسم السابق — الملاحظات الرقابية انخفضت 39% في موسم واحد.

في العالم أحداث تجمع الخصائص الثلاث الأولى. كأس العالم. الأولمبياد. مهرجانات ضخمة.

ومع ذلك يبقى الحج حالة مختلفة.

كأس العالم يتنقّل بين دول. كل دورة تبدأ من صفر تشغيلي. الأولمبياد كذلك. الحج يحتفظ بثوابته الجغرافية والزمنية والشعائرية منذ أربعة عشر قرنًا. هذا الثبات يُحوّل الحدث إلى بيئة اختبار، والتكرار يُحوّل بيانات كل موسم إلى وقود للموسم التالي.

والمنظومة لا تنام بعد انتهاء الحج. ما إن يُغلق الموسم حتى تفتح أبواب العمرة التي تستقبل الزوار طوال العام دون انقطاع. البنية التحتية ذاتها، والفرق البشرية ذاتها، والأنظمة الذكية ذاتها، تواصل عملها في بيئة مختلفة الكثافة لكنها مستمرة. الاستمرار يُحوّل التراكم من موسمي إلى مؤسسي.

ولأن المملكة تمتلك هذه البيئة وحدها، فإنها تمتلك ميزة لا تستطيع دولة أخرى صناعتها بأي ميزانية.

ما الذي يحدث حين تمتلك دولة مختبرًا بهذا الحجم، يأتي إليها كل عام؟

في الإجابة الشائعة، تُختبر التقنيات في الحج، ثم تنتقل إلى بقية القطاعات. هذه قراءة صحيحة، لكنها سطحية.

الأنظمة يمكن شراؤها. التقنيات يمكن استيرادها. الخوارزميات يمكن نقلها من مورد إلى آخر. أي دولة لديها ميزانية تستطيع امتلاك هذه الأدوات.

ما لا يمكن شراؤه هو الخبرة التشغيلية تحت الضغط القصوى.

المهندس الذي أدار غرفة عمليات الجمرات في ذروة التدفق لا يمكن تخريجه من جامعة. الفريق الطبي الذي تعامل مع طوارئ المشاعر تحت حرارة شديدة وكثافة حرجة لا تصنعه ورشة تدريبية. المخطط الذي قرأ بيانات التوأم الرقمي لحظة بلحظة واتخذ قرار إعادة التوجيه قبل تشكّل موجة الضغط لا يولد من قراءة كتاب.

هؤلاء يُصنعون في الميدان فقط.

ولا يوجد ميدان آخر في العالم يصنعهم بهذه السرعة، وبهذه الكثافة، وبهذا التكرار.

الحج يُنتج خبراء، لا أنظمة فقط.

وكل موسم يُخرّج طبقة جديدة من هؤلاء. مهندسون، أطباء، محللو بيانات، قادة عمليات، خبراء لوجستيات. المهندس الذي أدار حركة الجمرات هذا العام يصبح بعد سنوات أحد قياديي إدارة الحشود في المملكة. والطبيب الذي تعامل مع ذروة الإجهاد الحراري يُساهم في كتابة بروتوكولات الطوارئ الوطنية. الميدان يُخرّجهم بما لا تستطيعه قاعة الدراسة.

هذه الخبرة لا تختفي بعد العيد. تتراكم في الجامعات، والشركات، والوزارات، والمراكز البحثية. وتُعاد قراءتها في مشاريع الرؤية، في موانئ المملكة، في مدن المستقبل، في كل قطاع يحتاج إلى إدارة كثافة، أو زمن، أو مخاطر.

رؤية 2030 رفعت هذا التوجه إلى مستوى استراتيجي صريح، بوضع هدف الوصول إلى 30 مليون حاج ومعتمر. الوصول إلى هذا الرقم لا يعني زيادة الطاقة الاستيعابية فحسب، بل مضاعفة قدرة المنظومة بأكملها: التخطيط، والبنية، والتقنية، والكوادر. كل استثمار في الحج اليوم استثمار مباشر في القدرة الوطنية المطلوبة لتحقيق هذا الهدف.

وخلف كل شاشة، وكل نموذج، وكل غرفة عمليات، يقف آلاف الرجال والنساء في الميدان. رجال أمن يكررون التوجيه ذاته ألف مرة في اليوم. متطوعون بدأوا قبل الفجر. موظفو خدمات انتهت مناوبتهم وبقوا لأن الزحام لم ينتهِ. عمال نظافة يسبقون الحاج إلى المكان قبل أن يصل. مراقبون صحيون وسائقون ومسعفون. كثير منهم يعمل ساعات طويلة بعيدًا عن الأضواء، محتسبًا أجره عند الله قبل أي تقدير بشري.

الحاج الذي يعبر الجمرات بأمان يرى الإنسان الذي وقف يوجّهه، قبل أن يرى الخوارزمية التي أدارت حركته. ما يصل إليه هو الوجه، والابتسامة، واليد التي امتدت في الزحام. هناك يلمس صورة المملكة الحقيقية.

وقد يعود إلى بلده دون أن يعرف اسم رجل الأمن الذي أرشده، أو المسعف الذي ساعده، أو العامل الذي هيّأ له الطريق. لكنه يعود حاملًا أثرهم. وتلك هي الصورة التي تسافر مع الحاج إلى العالم.

هناك تستحق جهود هؤلاء كلمة شكر بعد شكر الله، لأنهم الواجهة التي تتحول من خلالها الخطط إلى خدمة، والتقنيات إلى طمأنينة، والمنظومة كلها إلى تجربة إنسانية تليق بضيوف الرحمن.

هؤلاء جميعًا — المهندس في غرفة العمليات، ورجل الأمن في الميدان، والمسعف، والمتطوع، والعامل الذي هيّأ الطريق — هم المنظومة. وما تبنيه المملكة من خلالهم لا يُقاس بموسم.

المملكة لا تشتري موسمًا ناجحًا. تبني قدرة وطنية تتراكم سنة بعد سنة.

التقنيات تتقادم. الخوارزميات تُستبدل. المعدات تُحدَّث. القدرة الوطنية على إدارة التعقيد تبقى. وتنمو. وتُورَّث من جيل مهني إلى الذي يليه.

وفي قلب هذا البناء كله، يبقى الحاج هو الغاية. خدمته هي السبب الذي تتحرك من أجله المنظومة. إتقان هذه الخدمة يُنتج قدرة وطنية تتجاوز حدود الحج.

الدول تبني مختبرات لتطوير أنظمتها.
والمملكة تمتلك مختبرًا يأتي إليها كل عام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى