
تقرير خاص
أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أبرز محركات التطوير في مختلف القطاعات، وبدأ حضوره يتوسع داخل القطاع الرياضي من خلال تطبيقات تسهم في تحليل الأداء، وتطوير البرامج التدريبية، واكتشاف المواهب، ودعم اتخاذ القرار. وفي المملكة، تبرز دراسة سعودية تناقش مستقبل الرياضة البارالمبية، وتستعرض كيف يمكن للتقنيات الذكية أن تسهم في تطوير رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، عبر رؤية تجمع بين البحث العلمي، والخبرة الميدانية، وآراء المختصين.
وتكتسب الدراسة خصوصيتها من تجربة صاحبتها، الباحثة واللاعبة الزهراء عيد ابو عيفه ، التي جمعت بين ممارسة الرياضة والبحث العلمي، لتتناول قضية انطلقت من واقع تعيشه داخل الميدان الرياضي، وتبحث عن حلول تقنية يمكن أن تسهم في تطوير التدريب، وتحسين الأداء، وتوسيع فرص المشاركة والإنجاز الرياضي.
ولأن مستقبل الرياضة الذكية لا يُبنى برؤية فردية، استطلع هذا التقرير آراء أكاديميين، ومتخصصين في الذكاء الاصطناعي، ومدربين، وقادة في القطاع الرياضي، لرسم صورة متكاملة حول الفرص التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، والتحديات التي تواجه تطبيقه، والخطوات اللازمة لتحويل نتائج الأبحاث إلى حلول عملية تخدم الرياضيين من ذوي الإعاقة البصرية.
حين تتحول التجربة إلى سؤال علمي
انطلقت فكرة الدراسة من تجربة عايشتها الباحثة الزهراء داخل الميدان الرياضي، حيث قادها احتكاكها المباشر برياضة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية إلى التساؤل عن الكيفية التي يمكن أن يسهم بها الذكاء الاصطناعي في تطوير التدريب، وتحليل الأداء، وتمكين الرياضيين من تحقيق مستويات أفضل.
ومن هذا المنطلق، تناولت الدراسة إمكانات توظيف التقنيات الذكية في تصميم برامج تدريبية أكثر دقة، والاستفادة من تحليل البيانات في تطوير الأداء، ودعم اكتشاف المواهب، إلى جانب تطوير أدوات وتقنيات مساندة تعزز من جودة التدريب وترفع كفاءة الرياضيين.
كما ناقشت أهمية بناء منظومة متكاملة تجمع بين الجامعات، والقطاع الرياضي، والجهات التقنية، بما يضمن انتقال نتائج الأبحاث من الجانب الأكاديمي إلى تطبيقات عملية تسهم في تطوير الرياضة البارالمبية، وتواكب التحول الرقمي الذي تشهده المملكة.
رحلة علمية بدأت بالشغف
وترى الدكتورة نعيمة الحميضي أن تميز الزهراء لم يرتبط بمرحلة إعداد الرسالة فقط، بل كان امتدادًا لمسيرة علمية اتسمت بالشغف والاجتهاد، والحرص على البحث المستمر، وطرح الأسئلة العلمية، ومناقشة الأفكار بعمق، إلى جانب مشاركاتها الرياضية والأنشطة اللامنهجية التي عكست شخصيتها الطموحة.
وأكدت أن الزهراء نجحت في الجمع بين مسيرتها الأكاديمية ومشاركاتها الرياضية، وهو ما يعكس قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص للتعلم والإنجاز، مشيرة إلى أن اختيارها لموضوع يرتبط بالذكاء الاصطناعي يعكس وعيًا بالتحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وقالت:
“اختيار الزهراء لموضوع حديث في مجال الذكاء الاصطناعي، وإنجازها له ومناقشته بنجاح، دليل على شجاعتها العلمية وقدرتها على خوض مجالات معرفية متقدمة.”
وأضافت أن هذا الإنجاز يكتسب أهمية خاصة لكونه صادرًا عن باحثة من ذوي الإعاقة البصرية، استطاعت أن تقدم نموذجًا يجمع بين الإصرار والتميز العلمي، ويمكن أن يشكل مصدر إلهام للباحثين والرياضيين على حد سواء.
رسالة لفتت الأنظار
برز تميز الدراسة منذ جلسة مناقشتها، حيث قدمت طرحًا علميًا يجمع بين الذكاء الاصطناعي ورياضة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، في موضوع يُعد من المجالات البحثية الحديثة التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من الدراسات المتخصصة.
ويرى الدكتور محمد الفواز مبتكر برنامج كلاسيرا للمكفوفين بالشرق الأوسط أن الدراسة تمثل إضافة نوعية للمكتبة العلمية، لنجاحها في الربط بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي واحتياجات الرياضيين من ذوي الإعاقة البصرية، ضمن معالجة علمية تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، وتنسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في التمكين والتحول الرقمي وجودة الحياة.
وأشار إلى أن الدراسة تميزت بأصالة فكرتها وحداثة موضوعها، وأسهمت في طرح حلول يمكن البناء عليها مستقبلًا لتطوير الرياضة البارالمبية، مؤكدًا أن هذا النوع من الأبحاث يمثل قيمة مضافة للمجال الأكاديمي والقطاع الرياضي على حد سواء.
وقال:
“الرسالة كانت متميزة وفريدة من نوعها في توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الممارسات الرياضية الخاصة بذوي الإعاقة البصرية.”
وأضاف أن الرسالة أجيزت دون تعديلات، وهو ما يعكس جودة بنائها العلمي، وتماسكها المنهجي، ووضوح نتائجها، معربًا عن ثقته في قدرة الباحثة على مواصلة مسيرتها العلمية والإسهام في إثراء هذا المجال البحثي.
من الدراسة إلى الأثر
إذا كانت لجنة المناقشة قد توقفت عند جودة الرسالة وأصالة موضوعها، فإن أثرها يمتد إلى ما هو أبعد من الجانب الأكاديمي، إذ يرى الدكتور محمد إبراهيم الدوسري، مدير برنامج الماجستير في سياسات واقتصاديات التعليم والتخطيط بجامعة طيبة والمشرف على الدراسة، أن مثل هذه الأبحاث تمثل ركيزة مهمة لدعم التحول الرقمي في القطاع الرياضي، وتفتح آفاقًا جديدة أمام توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الرياضيين من ذوي الإعاقة البصرية.
وأوضح أن الدراسة تنسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في مجالات الابتكار وتنمية رأس المال البشري، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب التوسع في الدراسات التطبيقية، وتعزيز التعاون بين الجامعات والاتحادات الرياضية والجهات التقنية، بما يضمن انتقال مخرجات البحث العلمي إلى حلول عملية تسهم في تطوير الرياضة.
وقال:
“الدراسة تمثل إضافة نوعية في توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الرياضيين من ذوي الإعاقة البصرية، وتواكب توجهات المملكة نحو الابتكار والتحول الرقمي.”
وأضاف أن القيمة الحقيقية لمثل هذه الدراسات تكمن في قدرتها على تحويل المعرفة إلى تطبيقات عملية، تسهم في تطوير التدريب، وتحسين الأداء، ورفع جودة الخدمات المقدمة للرياضيين.
الذكاء الاصطناعي يدخل الملعب
ولا يقتصر الحديث عن الذكاء الاصطناعي على الأبحاث والدراسات، بل بدأ يحضر بقوة في رؤية المدربين، الذين يرون فيه أداة قادرة على إحداث تحول في أساليب التدريب والإعداد الرياضي، خاصة في رياضة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.
ويؤكد الكابتن مشعل الثبيتي، مدرب كرة الهدف ومقدم برامج تدريبية في رياضة ذوي الإعاقة البصرية، أن السنوات المقبلة ستشهد حضورًا أوسع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، من خلال تحليل أداء اللاعبين بدقة أكبر، وتقديم ملاحظات فورية تسهم في تطوير المهارات الفنية والخطط التكتيكية.
وأشار إلى أن هذه التقنيات ستؤدي دورًا مهمًا في متابعة الحالة البدنية للاعبين، والحد من الإصابات، واكتشاف المواهب الرياضية في مراحل مبكرة، بما يساعد على بناء برامج تدريبية أكثر كفاءة.
وقال:
“الذكاء الاصطناعي قادر على دعم المدرب واللاعب في تحليل الأداء، وتطوير المهارات، واكتشاف المواهب، بما يسهم في تحقيق نتائج أفضل داخل المنافسات.”
وأضاف أن نجاح هذه التحولات يتطلب بناء قواعد بيانات دقيقة، وتطوير البنية الرقمية، وتأهيل الكفاءات الفنية والإدارية، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجامعات والجهات التقنية ومراكز الأبحاث.
قبل التقنية… ماذا نحتاج؟
ويرى الكابتن عمر الرشيدي أن نجاح الذكاء الاصطناعي في القطاع الرياضي لا يرتبط بتوفر التقنيات وحدها، بل بمدى جاهزية البيئة الرياضية لتبنيها والاستفادة منها بصورة صحيحة.
وأوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمتلك القدرة على تطوير تحليل الأداء، وتصميم البرامج التدريبية، ودعم اتخاذ القرار الفني، إلا أن الاستفادة الكاملة منها تتطلب استثمارات مستمرة في البنية التقنية، وتوفير أنظمة رقمية حديثة، وتأهيل الكفاءات البشرية القادرة على تشغيل هذه الحلول وتوظيفها.
وقال:
“الاستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي تبدأ من بناء بيئة تقنية متكاملة، قادرة على توظيف هذه الأدوات في خدمة الرياضيين.”
وأكد أن بناء منظومة رياضية ذكية يبدأ من البيانات، ويمر بالتقنية، وينتهي بالعنصر البشري القادر على تحويل هذه الأدوات إلى قيمة مضافة داخل الميدان الرياضي.
كيف تتحول الفكرة إلى مشروع؟
ولا تكتمل قيمة الدراسات العلمية عند حدود نشر نتائجها أو مناقشتها داخل الجامعات، بل تبدأ قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى أدوات ومبادرات يمكن أن يستفيد منها المجتمع والقطاع الرياضي.
ومن هذا المنطلق، يؤكد الأستاذ علي الدرسوني، الرئيس التنفيذي للاتحاد السعودي لذوي الإعاقة البصرية، أن بناء مستقبل الرياضة البارالمبية يتطلب شراكة حقيقية بين الجامعات، والباحثين، والاتحادات الرياضية، والقطاع التقني، بحيث تتحول نتائج الأبحاث إلى حلول عملية تخدم الرياضيين على أرض الواقع.
وأوضح أن الخطوة الأولى تتمثل في تحديد التحديات التي يواجهها الرياضيون من ذوي الإعاقة البصرية، ثم توجيه الباحثين نحو دراستها، والعمل على تطوير أدوات تدريبية وتقنيات مساندة وأنظمة لقياس الأداء، يمكن اختبارها داخل البطولات والمعسكرات الرياضية قبل تعميمها.
وقال:
“لا ينبغي أن تبقى نتائج الدراسات حبيسة الأوراق العلمية، بل يجب أن تتحول إلى مشاريع تخدم الرياضيين بشكل مباشر.”
وأضاف أن الاتحاد يعمل على بناء جسور تعاون مع الجامعات والجهات التقنية، بما يضمن تحويل المعرفة العلمية إلى منتجات وخدمات وحلول مبتكرة، تسهم في تطوير الرياضة البارالمبية، وترتقي بجودة تجربة الرياضيين، وتدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030.
البيانات أولًا
ويرى الدكتور عبدالرحمن المهيدب، المتخصص في الذكاء الاصطناعي، أن نجاح تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الرياضي لا يبدأ بالتقنيات، وإنما ببناء منظومة متكاملة تقوم على البيانات الدقيقة، والبحث العلمي، والتعاون المؤسسي.
وأوضح أن المملكة تمتلك اليوم فرصة لبناء نموذج وطني في الذكاء الاصطناعي الرياضي، في ظل ما تشهده من تحول رقمي متسارع، ودعم متزايد للابتكار والبحث والتطوير، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار في قواعد بيانات رياضية متخصصة، وربط الجامعات بالتحديات الفعلية التي تواجه القطاع الرياضي.
وقال:
“البيانات هي الأساس الذي تُبنى عليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وكلما كانت أكثر دقة وجودة، أصبحت الحلول أكثر كفاءة وأثرًا.”
وأضاف أن التكامل بين الجامعات، والاتحادات الرياضية، والشركات التقنية، سيشكل ركيزة أساسية لتحويل الأبحاث إلى حلول عملية تسهم في تطوير التدريب، وتحسين الأداء، ورفع جودة الخدمات المقدمة للرياضيين، وخاصة الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية.
خلاصة المشهد
من تجربة باحثة ولاعبة، إلى رؤى أكاديمية، وخبرات ميدانية، وقراءات استراتيجية، تتقاطع جميع الآراء في هذا الملف عند حقيقة واحدة؛ أن الذكاء الاصطناعي لم يعد فكرة مستقبلية، بل فرصة حقيقية لإعادة تشكيل الرياضة البارالمبية في المملكة.
وتكشف الدراسة أن تطوير هذا القطاع لا يعتمد على التقنية وحدها، بل على تكامل منظومة تضم الباحث، والجامعة، والمدرب، والاتحاد الرياضي، والجهات التقنية، بحيث يتحول البحث العلمي إلى حلول تطبيقية، وتصبح البيانات أساسًا لصناعة القرار، ويكون الرياضي هو المستفيد الأول من هذا التحول.
رؤية مكة
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تجاوزت حدود الرسالة الأكاديمية، لتفتح بابًا للنقاش حول مستقبل الرياضة البارالمبية في المملكة. فالذكاء الاصطناعي لم يُطرح فيها بوصفه تقنية حديثة فحسب، بل بوصفه أداة يمكن أن تسهم في تمكين الرياضيين، وتحسين جودة التدريب، وتطوير بيئة رياضية أكثر شمولًا وابتكارًا.
وتؤكد التجربة أن الأفكار المؤثرة قد تبدأ من سؤال يطرحه رياضي داخل الملعب، ثم تتحول عبر البحث العلمي إلى مشروع يحمل إمكانات للتطبيق والتطوير. وعندما تلتقي هذه الأفكار بدعم الجامعات، وخبرة المدربين، ورؤية قادة القطاع الرياضي، تصبح أكثر قدرة على صناعة أثر يتجاوز حدود الرسالة العلمية.
وفي ظل مستهدفات رؤية السعودية 2030، يبدو الاستثمار في هذا النوع من الدراسات خطوة مهمة نحو بناء منظومة رياضية ذكية، يكون فيها البحث العلمي شريكًا في صناعة القرار، والذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز الأداء، وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة، ودعم الابتكار في القطاع الرياضي.






