المقالات

اللهم لا تجعل لنا جارة ولها عينان

يقول أحمد شوقي على لسان عبد الوهاب ومن ثم تغنت بها نور الهدي وأخيرًاً أميرة الطرب فيروز :
يا جارة الوادي طربتُ وعادني
ما يشبه الأحلام من ذكراكِ
مثلتُ في الذكرى هواكِ وفي الكرى
والذكريات صدى السنين الحاكي
ولقد مررتُ على الرياض بربوةٍ
غناء كنتُ حيالها ألقاكِ
حتى يقول:
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت
عينيَّ في لغة الهوى عيناكِ
لا أمس من عمر الزمان ولا غدٌ
جمع الزمان فكان يوم رضاكِ
هذه الجارة التي يحكي عنها أمير الشعراء وتاه في حبها، يبدو أنها جارة، وإن أضنت محبها، لكنها جارة ودود لا تحمل إلا جمالها الأخاذ ليكون مرسال الحب. وإن تعطلت لغة الكلام، فليس لأنها عصية، ولكن لأن حسنها يروي… يروي ظمآن الهوى، ويروي كم هو البهاء يستفز الشعراء قبل المحبين.
ويا لجمال ذلك الشعور الذي ينقل نظرات العيون إلى ما تكنه القلوب، ثم ينساب حديثًا من أحاديث الهوى، وخاصة عندما ينتقل إلى ما يقوله الشاعر محمد فهد العيسي:
لك عرش وسط العين في القلب أوطانه
متى تجي يا زين تحتل أركانه
فالاحتلال هنا مطلب، لأنه استعمار ولا أجمل، وإن تباعدت الخطى أحيانًا، ولكن ما أحلى الرجوع إليه.
ولكن هناك جارات بينهم وبين شوقي حارات من البعد، فهن من جماعة: لا تناظرني بعين. ولكنهن يناظرن الآخرين بعينيهما الاثنتين، بل يتمنين أن لهن عينًا ثالثة، وأن يرين جنازة حتى يشبعن فيها لطمًا. وليس بالضرورة هنا الجنازة بمفهومها العام، أطال الله عمر الجميع، ولكن أي مصيبة، بل حتى أي سعادة في منزل الجار، حتى تشتغل معاول الحسد.
ومن الأدعية الشعبية التي تناقلها الناس قولهم: «اللهم لا تجعل لنا جارة ولها عينان». وللوهلة الأولى قد يستغرب السامع هذا الدعاء، فكيف تكون الجارة بلا عينين؟ ولكن المقصود ليس العينين اللتين يبصر بهما الإنسان طريقه، بل العينان اللتان لا تنشغلان إلا بتتبع أحوال الآخرين.
فهناك من يعرف عدد ضيوفك أكثر مما تعرف، ويحفظ مواعيد خروجك وعودتك أكثر مما تحفظها أنت، ويكتشف أي قطعة أثاث جديدة في منزلك قبل أن يراها أقرب أقربائك. وإذا اشتريت شيئًا قال: من أين له هذا؟ وإذا سافرت تساءل: إلى أين ذهب؟ وإذا تأخرت دقائق معدودة أقام لجنة تحقيق مصغرة لمعرفة الأسباب والدوافع والنتائج المتوقعة!
ولعل هذا المثل الشعبي جاء ليذكرنا بأن راحة البال لا تتحقق فقط بحسن الجوار، بل أيضًا باحترام الخصوصيات، وأن أجمل الجيران من يفرح لنعمة جاره إذا أنعم الله عليه، ويواسيه إذا أصابه مكروه، لا من يحصي عليه أنفاسه ويعد خطواته.
إن “الجارة ذات العينين” في زمننا لم تعد تقف عند النافذة، بل أصبحت تحمل هاتفًا ذكيًا وتتابع الأخبار العاجلة عن الجيران عبر مجموعات الواتساب قبل أن يعرفها أصحاب الشأن أنفسهم.
وهذا يذكرنا بمعنى جميل يُنسب لبعض الحكماء:
“السعيد ينظر إلى ما عنده فيشكر، والحاسد ينظر إلى ما عند غيره فيتحسر.”
هكذا غنى عبد الوهاب لجارة الوادي، فخلدها شعرًا وغناءً. أما جارة بعض المبتلين بها، والتي يتناولها هذا المقال، فلم تطرب أحدًا، ولم تترك لأحد فرصة للطرب، إذ كانت مشغولة بإحصاء الداخل والخارج، ومراقبة الجديد والقديم، حتى كأنها تعمل في مركز رختر للرصد والمتابعة على مدار الساعة، وتنتظر الزلزال متى يحدث، وهات يا شماتة ونقل أخبار!
فاللهم ارزقنا جيرانًا وأصدقاء وأقارب ينظرون بعين المحبة، لا بعين التفتيش، ويشغلهم إصلاح أحوالهم قبل البحث في أحوال غيرهم.
يقول الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه
فالناس أعداء له وخصومُ
كضرائر الحسناء قلن لوجهها
حسدًا وبغيًا إنه لدميمُ
ولعلي هنا يستوقفني قول الشاعر جرير:
إن العيون التي في طرفها حورٌ
قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
وهن أضعف خلق الله أركانًا
وبدأت أفكر في معنى آخر غير الذي كنا نحسب أنه يقصده. مسافة قد نحسبها طويلة تقطعها النفس البشرية بين المحبة والحسد، وبين الإعجاب والتطفل، بينما هي لا تحتاج إلا سهمًا يصدر فيصيب.
وتمر في خاطري أغنية لا نقول: خلي العيون عنك تقول . فيبدو أن قائلها المرحوم الصديق الصدوق الأمير محمد العبدالله الفيصل، بكل طيبة قلبه وروحه المليئة بالمشاعر الرقيقة، عندما كتب تلك الأغنية لطلال، لم تمر عليه المقولة التي أشرت لها في عنوان المقال، وإلا لاستدرك وقال:
اللهم لا تجعل لنا جارة ولها عينان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى