المقالات

ازدواجية الأمانة

بقلم – د. عبدالقادر سامي حنبظاظة

لماذا نطالب الأستاذ بالأمانة الأكاديمية، ولا نطالب المؤسسة بالمرجلة الأكاديمية؟

في التراث العربي قصةٌ تناقلتها الأجيال، سواء ثبتت تفاصيلها أم بقيت من روائع الأدب. رجلٌ عاد مختارًا ليواجه الموت بعدما كان يستطيع النجاة، فسُئل: لماذا عدت؟ قال: خشيت أن يُقال ذهب الوفاء من الناس. ورجلٌ ضمنه وهو لا يعرفه، فسُئل: لماذا خاطرت؟ قال: خشيت أن يُقال ذهبت المروءة من الناس. ثم عفا أصحاب الحق والقصاص بأيديهم، فقالوا: خشينا أن يُقال ذهب العفو من الناس.

عظمة القصة في السؤال الذي تركته: من يحرس القيم حين تسمح الأنظمة بغيرها؟

في الجامعات نُكثر الحديث عن الأمانة الأكاديمية. نحاسب الطالب إذا اقتبس دون توثيق، والأستاذ إذا غيّر معايير التقييم بعد إعلانها. نرفض أن يُكتب في تقرير مقرر مخرج تعلم لم يتحقق، أو تُسجّل ساعة لم تُدرَّس. لأن الحقيقة الأكاديمية لا تعرف التورية، ولا إعادة تفسير الوقائع بعد اكتمالها.

وهذا حق. وبقي سؤال لا أجده في أدلة الجودة ولا معايير الاعتماد: هل الأمانة الأكاديمية واجبٌ على الأستاذ وحده؟

كل مؤسسة علمية تقوم على عقدين. مكتوبٌ تحفظه الأنظمة، وغير مكتوبٍ تحفظه الكلمة. الأول يُرجع إليه أمام القضاء. والثاني هو الذي يجعل الأستاذ يبدأ العمل قبل اكتمال الأوراق، ويعطي من وقته أكثر مما يفرضه العقد. يسمّي علماء الإدارة هذا المعنى العقد النفسي: الثقة التي تُبنى على الوعود قبل التوقيعات. وحين يُخرق، تكون أول خسارة في الإنسان قبل الميزانية.

يتكرر في الوسط الأكاديمي نمطٌ يتخذ أشكالًا مختلفة. جامعةٌ تتحوّل إلى نظام الفصول الثلاثة، فيتغيّر العبء، ويُنجَز العمل كاملًا، ثم تظهر بعد نهاية الفصل تفسيرات جديدة لاحتساب الاستحقاقات. وحالٌ يتأخر فيها توقيع العقود لأسباب إدارية، فيُطلب من الأستاذ أن يبدأ حتى تكتمل الإجراءات.

يبدأ الأستاذ، لأن الطالب لا ينتظر. يُعدّ المادة، ويصمّم أدوات القياس، ويحقّق المخرجات، ويبني ملفات الجودة، رغم أن الحد الأدنى من وثائق المقرر لم يكن مكتملًا عند التكليف. ثم ينتهي الفصل، وتأتي مرحلة تفسير ما كان ينبغي أن يكون واضحًا منذ البداية.

القضية ليست قيمة المبلغ. لو كانت كذلك لانتهت بالصرف. القضية أن الكلمة التي بُني عليها القرار صارت تحتمل قراءة أخرى بعد اكتمال الالتزام.

الحوكمة مطلبٌ يحمي المؤسسة والأستاذ معًا، ويصون المال العام من تلاعبٍ يقع فعلًا. والمرجلة حقٌّ يسبق هذا المطلب ويُكمله: معيارٌ يُعلن قبل العمل يؤدي وظيفة الحوكمة، ومعيارٌ يُستحدث بعده يفقدها ويصير أداة تأويل. المسافة بينهما هي المسافة بين الضبط والالتفاف عليه. ومن هنا تبدأ المرجلة مؤسسةً لا أمنية: وعدٌ يُوثّق يوم التكليف، لا بعد إتمامه، يجعل الكلمة مُلزِمة قبل أن تحتاج إلى من يُلزم بها.

الجامعة لا تفاوض الحقيقة حين ترفع تقريرها إلى جهة الاعتماد، لأنها تعلم أن الحقيقة ليست محل تفاوض. فكيف تفاوضها في ذمّة من كتب لها ذلك التقرير؟

أسمّي هذا المعنى المرجلة الأكاديمية. والمرجلة هنا ليست وصفًا للرجل دون المرأة، فاللغة العربية وصفت صاحبة الموقف الشريف بأنها بألف رجل. المرجلة أن تُلزم نفسك أخلاقيًا بما يعجز النظام عن إلزامك به. أن يسبق وفاؤك بالكلمة قدرة الآخرين على مطالبتك بها. أن ترى صيانة الثقة أصلًا من أصول القيادة، لا خيارًا إداريًا.

الأمانة الأكاديمية تمنع الأستاذ أن يكتب ساعةً لم يُدرّسها. والمرجلة الأكاديمية تمنع المؤسسة أن تُنقص ساعةً وعدت بها.

حين تغيب هذه المرجلة، يبقى الأستاذ في جامعته ويعيد تعريف علاقته بها. يمسك الجهد الذي لم يكن مكتوبًا في العقد: المبادرة، وحمل ما ليس مسؤوليته، وتعويض نقص المؤسسة من وقته وخبرته. يؤدي ما يُطلب منه بدقة، لا أكثر. وهذا انسحابٌ مفهوم، وإن لم يكن هو ذاته مرجلة؛ فهو أثرُ غيابها ممن يملك حفظها أولًا. والأنظمة تنتج السلوك الذي تكافئه، وحين يبقى الوفاء بلا مكافأة يذبل.

يظن بعض أصحاب القرار أن الخاسر الأول هو الأستاذ. والأستاذ يعرف كيف يحمي نفسه. الخاسر هو المؤسسة. تخسر من كان يبني ملفات الجودة من تلقاء نفسه، ومن كان يبقى ساعةً إضافية مع طالب متعثر، ومن كان يعالج خطأ النظام قبل أن يصير أزمة. تخسر الجهد الذي لا يُشترى بالراتب، لأنه لم يكن جزءًا من العقد. ثم يدفع الطالب الثمن، والبرامج، وسمعة المؤسسة. ثم نتساءل بعد سنوات: لماذا اكتفى الجميع بالحد الأدنى؟

يوم تصبح العقود أكثر تفصيلًا، واللوائح أكثر سماكة، والثقة أقل عامًا بعد عام، سيظن كثيرون أن الحوكمة انتصرت، والكلمة هي التي هُزمت. فالعقد يزداد صفحاته حين تعجز الكلمة عن حمل معناها، لا حين يصير الناس أكثر تنظيمًا. وحين تحتاج الجامعة إلى ورقٍ أكثر كل عام، فقد يكون ذلك اعترافًا صامتًا بأن شيئًا أثمن من الورق بدأ يختفي.

والطالب الذي يراقب كيف عُوملت كلمةُ أستاذه يتعلّم درسًا لا تُدرّسه قاعة: أن الأمانة التي تُكتب في التقارير غير الأمانة التي تُمارس في المكاتب. هذا الدرس يبقى بعد أن يُنسى المقرر. والجامعة التي تُدرّس الأمانة الأكاديمية ثم تُفرّط في أمانة الكلمة لا تفقد أستاذًا وحده. تفقد سلطتها على أن تُعلّم الأمانة أصلًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى