تشهد منظومة القبول الجامعي في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الماضية اعتمادًا كبيرًا على اختباري القدرات العامة والتحصيلي بوصفهما من أهم معايير المفاضلة بين الطلاب بواقع ٦٠ إلى ٧٠ ٪ من النسبة الموزونة مع الرغم من أهمية هذين الاختبارين من مؤشرات تساعد في قياس بعض المهارات والمعارف، فإن منحهما الثقل الأكبر في تحديد مستقبل الطالب الأكاديمي يثير العديد من التساؤلات حول مدى تحقيقهما لمبدأ ة تكافؤ الفرص.
فالاختبارات المعيارية بطبيعتها تقيس أداء الطالب في يوم محدد وتحت ظروف قد تختلف من طالب إلى آخر، وقد يتأثر أداؤه بعوامل نفسية أو صحية أو اجتماعية لا تعكس مستواه الحقيقي الذي بناه خلال ثلاث سنوات دراسية. كما أن التحضير المكثف لهذه الاختبارات أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على الدورات التدريبية التجارية، مما يمنح أفضلية لمن يستطيع الالتحاق بها، ويؤدي إلى تفاوت الفرص بين الطلاب، وهو ما قد يضعف من مبدأ تكافؤ الفرص الذي تسعى إليه المنظومة التعليمية.
ومن جهة أخرى، فإن التركيز الأهم على اختبارات مركزية يقلل من قيمة الجهد الدراسي المتواصل الذي يبذله الطالب طيلة المرحلة الثانوية، ويجعل مستقبله الأكاديمي مرتبطًا بنتيجة اختبار أو اختبارين فقط، رغم أن الطالب يخضع لسنوات من التعلم والتقييم المستمر.
لذلك، فإن فرصة التكافؤ الحقيقية تبدأ من توحيد التقييم في المرحلة الثانوية، وليس الاعتماد على الاختبارات التي تحدد معايير القبول بعد التخرج. ولهذا فإن من الأفضل إعادة تطبيق الاختبارات المركزية للفصول الدراسية والاختبارات النهائية في جميع مدارس المملكة الحكومية والأهلية بإشراف مباشر من وزارة التعليم.
حيثٌ اقترح أن تتولى وزارة التعليم إعداد بنوك الأسئلة، وتشكيل لجان وطنية متخصصة لإدارة الاختبارات، على أن تُوزع الأسئلة على المدارس في يوم الاختبار وفق إجراءات تنظيمية دقيقة، مع تطبيق ضوابط رقابية موحدة داخل جميع المدارس. وبعد ذلك تُنقل أوراق الإجابة إلى مراكز تصحيح تابعة للوزارة، أو تُصحح إلكترونيًا تحت إشراف لجان متخصصة، وفق آلية ممنهجة تضمن توحيد معايير التصحيح، وتحقيق العدالة بين جميع الطلاب، والقضاء على أي تفاوت قد ينشأ بين المدارس أو المناطق التعليمية في جميع المناطق الإدارية .
فوجود اختبارات مركزية موحدة خلال سنوات المرحلة الثانوية من الأول ثانوي إلى الثالث ثانوي سيجعل معدل الثانوية العامة أكثر دقة وموثوقية، لأنه سيكون مبنيًا على تقييم وطني يخضع لجميع الطلاب بالمعايير نفسها، وليس على اختلاف أساليب التقويم بين المدارس.
أما اختبار القدرات والتحصيلي ، فيمكن إعادة توظيفها بصورة أكثر تخصصًا، بحيث لا تكون شرطًا عامًا لجميع الطلاب، وإنما تُخصص للتخصصات التي تتطلب قدرات نوعية، مثل الطب، وطب الأسنان، والصيدلة، والعلوم الصحية، والهندسة، وبعض التخصصات العلمية الدقيقة. وفي هذه الحالة، يُقترح ألا تتجاوز نسبة هذا الاختبار 20% من معايير القبول، على أن يكون موجهًا لقياس المهارات المرتبطة بطبيعة تلك التخصصات، وليس المهارات العامة فقط.
كما أقترح اشتراط إثبات الكفاءة في اللغة الإنجليزية للراغبين في الالتحاق بهذه التخصصات، باعتبارها لغة الدراسة والبحث العلمي في معظم الكليات الصحية والهندسية، وذلك بالحصول على درجة لا تقل عن (5.0) في اختبار IELTS، أو (85) فأعلى في اختبار STEP، بما يضمن جاهزية الطالب للدراسة الجامعية ويقلل من الحاجة إلى البرامج التأهيلية اللاحقة.
وبذلك يصبح القبول الجامعي قائمًا على ثلاثة محاور متكاملة: معدل ثانوية عامة يستند إلى اختبارات مركزية وطنية موحدة، واختبار تخصصي محدود للتخصصات التي تستلزم مهارات معينة، وإثبات الكفاءة اللغوية في التخصصات التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. ويُعد هذا النموذج أكثر عدالة في تقدير جهود الطالب، وأكثر مواءمة لاحتياجات الجامعات، وأكثر قدرة على إعداد كوادر وطنية مؤهلة علميًا ومهنيًا.
ومن هذا المنطلق، أمل من وزارة التعليم إعادة دراسة منظومة التقييم والقبول الجامعي، وإطلاق مشروع وطني للاختبارات المركزية في المرحلة الثانوية، تتولى الوزارة إعداده والإشراف عليه وتصحيحه وفق أعلى معايير الحوكمة والجودة والشفافية، بما يعزز الثقة في نتائج الثانوية العامة، ويرسخ مبدأ التكافؤ في الفرص بين جميع أبناء الوطن، ويجعل القبول الجامعي قائمًا على تقييم مستمر يعكس المستوى الحقيقي للطالب، لا على نتيجة اختبارات عامة قد لا تمثل كامل قدراته وإمكاناته.
0




