يسهل على الناس أن يصفقوا للبدايات فكل جديد يلفت الأنظار، وكل انطلاقة تحمل بريقًا يخطف الأبصار. لكن الحياة لا تُقاس بروعة البداية، بل بصدق النهاية. فكم من مشروع بدأ صاخبًا ثم خفت صوته، وكم من حلم انطلق سريعًا ثم تعثر في منتصف الطريق، وكم من إنسان بهر الناس بحضوره، ثم خذلهم عند أول اختبار.
إن البدايات لا تحتاج في الغالب إلا إلى الحماس، أما النهايات فتحتاج إلى الصبر، والثبات، والإخلاص، وقوة الإرادة. ولهذا كانت النهايات هي المعيار الحقيقي الذي يكشف معدن الإنسان، ويظهر صدق نيته، ويبرهن أن ما بدأه لم يكن نزوة عابرة، بل رسالة آمن بها وسار بها حتى آخر الطريق.
في ميادين العلم، لا يتذكر التاريخ من أعلن عن مشروعه، بل من أتمه وأضاف به معرفة نافعة للبشرية. وفي ميادين العمل، لا تخلد أسماء من وعدوا كثيرًا، وإنما من أوفوا بما وعدوا. وحتى في العلاقات الإنسانية، لا يقاس الحب بكلمات البدايات، بل بوفاء السنوات، وثبات المواقف، وحسن الختام.
ولعل أجمل ما في النهايات أنها لا تخدع فهي تكشف الحقيقة كما هي، بعيدًا عن زينة البدايات وضجيجها. فالبداية قد يمنحها الحماس، أما النهاية فلا يمنحها إلا الصادقون. لذلك كان السلف الصالح يخشون سوء الخاتمة أكثر مما يفرحون بحسن البداية، وكانوا يدعون الله دائمًا أن يرزقهم الثبات حتى الممات لأن العبرة ليست بمن سبق في أول الطريق، بل بمن بلغ النهاية وهو ثابت على الحق.
إن النجاح ليس أن تبدأ قبل الجميع، بل أن تصل حين يتوقف الآخرون. وليس الإنجاز أن تشعل الشرارة الأولى، بل أن تبقيها متقدة حتى يتحقق الهدف. فكم من متسابق انطلق في المقدمة، ثم تجاوزه من كان أكثر صبرًا، وأعمق يقينًا، وأصدق عزيمة.
ولهذا، لا تراهن على انبهار الناس ببدايتك، بل راهن على أن يكون ختامك شاهدًا لك لا عليك. اجعل كل يوم يضيف إلى رصيدك خلقًا، وعلمًا، وعملًا، وأثرًا طيبًا. فالبدايات يصنعها الحماس، أما النهايات فيصنعها الإيمان بالغاية، والاستمرار رغم التعب، والإخلاص الذي لا ينتظر تصفيقًا ولا يبحث عن أضواء.
إن الحياة تمهل الجميع فرصة البداية، لكنها لا تمنح وسام الخلود إلا لمن أحسن الثبات حتى النهاية. فالبدايات قد تكسبك الإعجاب، أما حسن الختام فيكسبك الاحترام. والبدايات قد تصنع شهرة عابرة، أما النهايات الصادقة فتصنع تاريخًا يبقى، وأثرًا يمتد، وذكرًا حسنًا لا ينطفئ مع مرور الأيام.
فالعبرة بصدق الختام لا ببريق البداية. وليس كل من أشرق أول الطريق أضاء آخره، وليس كل من تأخر في البداية خسر السباق. إنما الفوز الحقيقي لمن بقي وفيًا لقيمه، ثابتًا على مبادئه، مخلصًا في عمله، حتى إذا أسدل الزمن ستاره، كانت سيرته أجمل من بدايته، وأثره أبقى من حضوره، وخاتمته أبلغ من كل انطلاقة. فهناك فقط … يكتب المجد، ويعرف الرجال، وتخلد الأعمال.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا غير غضبان، اللهم ارزقنا حسن الختام، والثبات على الحق حتى نلقاك، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، واختم لنا بالصالحات، واغفر لنا ولوالدينا ولمن نحب، إنك سميع الدعاء. يا رب العالمين.



