عام

من هذا الباب… يمر أفضل الموظفين في العالم!

قد يظن القارئ أن عنوان هذا المقال من وحي الخيال أو من قبيل المبالغة، لكنه في الواقع عبارة حقيقية استوقفتني على لوحة كبيرة عند مدخل إحدى الجهات الحكومية، كُتب عليها: “من خلال هذا الباب يمر أفضل الموظفين في العالم.” للوهلة الأولى قد يراها البعض مجرد عبارة تحفيزية، لكنها في الحقيقة تحمل أبعاداً إدارية ونفسية عميقة؛ لأنها لا تخاطب الموظف وحده، بل تخاطب أيضاً كل مراجع يدخل المبنى وهو يحمل توقعاً بأن يجد خدمة استثنائية، واحتراماً، واحترافية، وسرعة في الإنجاز. مثل هذه الشعارات ليست للزينة، وإنما تمثل عقداً معنوياً بين المؤسسة والمستفيد. فكلما ارتفع سقف الوعود، ارتفع معه سقف التوقعات. والمراجع الذي يقرأ هذه العبارة قبل دخوله لن يحاكم المؤسسة على اللوحة، وإنما سيحاكمها على أول موظف يقابله، وأول ابتسامة يراها، وأول معاملة تُنجز له.

لكن السؤال الأهم: هل يكفي تعليق الشعار؟ الإجابة بالطبع: لا.

فالشعار لا يصنع ثقافة، ولا يغيّر سلوكاً، ولا يرفع جودة الخدمة ما لم يتحول إلى ممارسة يومية. وإلا أصبحت اللوحة عبئاً على المؤسسة بدل أن تكون مصدر فخر لها. ومن زاوية أخرى، فإن لهذه الرسائل أثراً نفسياً على الموظفين أنفسهم. فهي تمنحهم شعوراً بالثقة والانتماء، وتدفعهم إلى المحافظة على الصورة التي رسمتها المؤسسة لهم. لكنها في المقابل قد تتحول إلى مصدر ضغط إذا لم توفر الإدارة بيئة عمل عادلة، وصلاحيات واضحة، وقيادات داعمة، وأنظمة تقلل التعقيدات، وتدريباً مستمراً يمكّن الموظف من تحقيق هذا المستوى المأمول. فلا يمكن أن نطالب الموظف بأن يكون “الأفضل في العالم” بينما نحمّله أعباءً تفوق قدرته، أو نقيّده بإجراءات تعوق الإنجاز، أو نقيس أداءه بمعايير لا تراعي واقع العمل. ولعل أجمل ما في مثل هذه الشعارات أنها تخلق رقابة صامتة. فالموظف يقرأها كل صباح، والمراجع يقرأها قبل أن يطلب الخدمة، والإدارة ينبغي أن تقرأها قبل أن تقيم الأداء. وهنا يصبح الشعار معياراً للمساءلة قبل أن يكون وسيلة للتحفيز.

إن المؤسسات المتميزة لا تكتفي بتعليق العبارات الملهمة على الجدران، بل تترجمها إلى سلوك يلمسه المستفيد، وإلى ثقافة يعيشها الموظف، وإلى قيم تحكم القرارات اليومية. الفرق كبير بين مؤسسة تقول: “لدينا أفضل الموظفين في العالم.” ومؤسسة تجعل كل مراجع يغادر وهو يقول: “لقد تعاملت فعلاً مع أفضل الموظفين في العالم.” بل والأجمل أن ينهي المستفيد معاملته عبر البوابة الإلكترونية وهو يحمل الانطباع نفسه؛ لأن التميز المؤسسي لا يتجزأ، سواء قُدمت الخدمة وجهاً لوجه أو عبر الشاشات. فالشعارات ليست كلمات تُعلَّق على الأبواب، وإنما وعودٌ تمتد من البوابة الحديدية للمؤسسة إلى بوابتها الإلكترونية، وتُختبر عند شبابيك الخدمة، وفي الممرات، وعلى الهواتف، وفي كل لحظة تواصل بين الموظف والمستفيد. فما يراه المستفيد لحظة عبوره البوابة لا يقل أهمية عما يراه على الشاشة قبل أن يعبرها، فكلاهما يمثل وجه المؤسسة الحقيقي.

د. عبدالله علي النهدي

عضو هيئة التدريب في معهد الإدارة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى