المقالات

ثقافة العيب»… حين كان الضمير أقوى من القانون

كانت كلمة «عيب» في مجتمعنا مدرسةً تربويةً متكاملة، تختصر عشرات المواعظ، وتوقظ الضمير قبل أن تستدعي العقوبة. لم تكن مجرد لفظة تتردد على ألسنة الآباء والأمهات، بل كانت منهجًا في التربية، وأسلوبًا في تهذيب السلوك، وصناعة الذوق العام، وغرس الحياء واحترام الآخرين.

لقد أدرك الإسلام قيمة هذا المعنى، فجعل الحياء من صميم الإيمان، فقال النبي ﷺ: «الحياء شعبة من الإيمان»، وقال أيضًا: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت». وقال الإمام الشافعي: «من كثر حياؤه كثر ورعه»، وأكد ابن القيم أن الحياء أصل الفضائل.

ولم تكن كلمة «عيب» بديلاً عن «الحرام»، بل كانت تمهد له؛ فهي تعلم الإنسان أن يترفع عن كل ما يخدش المروءة أو يؤذي الآخرين، حتى وإن لم يرد فيه نص خاص.

كانت الأم تقول: «عيب أن ترفع صوتك»، ويقول الأب: «عيب أن تؤذي جارك»، ويقال للصغار: «عيب أن تنقل أسرار الناس»، فتتشكل رقابة ذاتية تجعل احترام الآخرين سلوكًا تلقائيًا.

وفي اليابان يُعد الاعتذار عن الخطأ فضيلة اجتماعية، ويحرص الناس على عدم إزعاج الآخرين، بينما تقوم مجتمعات أخرى متقدمة على الثقة العامة والمسؤولية الذاتية، لأن الضمير المجتمعي يسبق تدخل القانون.

إن الحضارة لا تُبنى بالقوانين وحدها، وإنما تبنى حين يستحي الإنسان من الخطأ لأنه يراه انتقاصًا من قيمه قبل أن يكون مخالفة للنظام.

وأقول ختامًا: ليس العيب في أن نستحضر كلمة «عيب»، وإنما العيب الحقيقي أن نفقد القيم التي كانت تحملها؛ الحياء، والمروءة، واحترام الكبير، وصيانة الجار، وحفظ اللسان، والالتزام بالذوق العام. فالأمم التي تحافظ على منظومتها الأخلاقية هي الأقدر على بناء الإنسان، والإنسان هو أساس كل حضارة.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى