المقالات

من أسمرة إلى المدينة… رحلة لم أخترها فاختارتني

الحلقة الأولى: البداية… حيث بدأ كل شيء

ليست هذه سيرةً ذاتية بالمعنى التقليدي، ولا محاولةً للحديث عن النفس، وإنما صفحات وفاء لرجالٍ صنعوا جيلاً، ولمدنٍ احتضنت العلم، ولمواقف أدركت بعد مرور السنين أنها كانت من لطف الله الخفي، الذي لا يُرى إلا إذا نظر الإنسان إلى الخلف. وكلما تقدمت بي السن، ازددت يقينًا أن الإنسان لا يصنع نفسه وحده، وإنما يصنعه الله تعالى بأسباب يهيئها له في مراحل عمره المختلفة؛ معلمٌ يفتح له بابًا، ومربٍ يغرس فيه خلقًا، وبيتٌ يحتضنه، ومدينةٌ تمنحه ملامحه الأولى.

وحين يسألني الناس: أين بدأت رحلتك؟ لا أقول: بدأت في المدينة المنورة، بل أقول بكل يقين: بدأت في أسمرة. هناك حفظت أول آية من كتاب الله، وهناك جلست لأول مرة بين يدي العلماء، وهناك تعلمت أن العلم ليس معلوماتٍ تُحفظ، وإنما نورٌ يهذب القلب ويصنع الإنسان.

ولا أستطيع أن أكتب عن تلك المرحلة دون أن يقف في مقدمة ذاكرتي شيخي الأول، وأستاذي، ومربيَّ، قاضي المحكمة الشرعية الكبرى في أسمرة، الشيخ حامد عبدالقادر رحمه الله. علمني القرآن الكريم، والفقه، والتفسير، وعلم الفرائض، لكن الذي بقي أثره في نفسي أعظم من ذلك كله. علمني بسمته قبل درسه، وبزهده قبل موعظته، وبتواضعه قبل علمه. كان قليل الكلام، كثير العمل، وإذا جلس للتدريس شعرت أن هيبة العلم تسبق كلماته. وكان ينظر إلى طلابه كما ينظر الأب الرحيم إلى أبنائه، فلم يكن يصنع حفظةً للمتون، وإنما كان يصنع رجالًا يحملون رسالة الإسلام.

وكان من أعظم ما صنعه معي أنه لم ينتظر حتى أكبر لأتحمل مسؤولية التعليم، بل كان يقدمني وأنا طفل لم أبلغ بعد لأقف أمام الناس وأشرح لهم وأدرسهم، يريد أن يغرس في نفسي الثقة، وأن يربيني على أن العلم مسؤولية قبل أن يكون مكانة. وكلما تقدمت بي السنون، ازداد هذا الرجل مكانةً في قلبي، حتى أدركت أن أعظم ما يتركه العالم بعد رحيله ليس عدد مؤلفاته، وإنما الرجال الذين ربّاهم.

ثم انتقلت إلى المعهد الديني الإسلامي في أسمرة، ذلك الصرح العلمي الذي أسسه علماء تخرجوا في الأزهر الشريف، فجاء على نسق الأزهر في روحه ومنهجه ونظامه. كان للمعهد شيخه، ومديره، وهيئته العلمية، وكان جميع أساتذته من خريجي الأزهر الشريف، يرتدون عمامته، ويحملون رسالته، حتى إن الداخل إلى ساحة المعهد يشعر وكأنه في رحاب الأزهر الشريف بالقاهرة. ولم يكن ذلك تشابهًا في الزي وحده، بل في احترام العلم، وهيبة الأستاذ، والانضباط، ومنهج التربية، وصناعة الإنسان.

وكان مسجد الخلفاء الراشدين جامعةً أخرى لا تقل أثرًا عن المعهد. هناك جلسنا بين أيدي علماء أجلاء، كان من أبرزهم الشيخ عبدالله الأزهري رحمه الله، الذي كان يفسر القرآن الكريم بلغة عربية آسرة، حتى يخيل إلى السامع أن الآيات تتحول أمامه إلى مشاهد حية. ولما عرفنا بعد سنوات تفسير الإمام الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله عبر شاشة التلفاز، كنت كلما استمعت إليه عاد بي الزمن إلى شيخي عبدالله الأزهري، فقد جمعهما ذلك الأسلوب البديع الذي يجعل السامع يعيش القرآن قبل أن يسمع تفسيره.

وكنا نجلس كذلك بين صلاتي المغرب والعشاء إلى العالم الجليل الشيخ محمود محمد علي بخيت رحمه الله، الذي جمع بين العلم والإدارة؛ فقد كان من كبار المسؤولين في وزارة التعليم، ومع ذلك لم تشغله مسؤولياته عن رسالته في تعليم الناس. كان أنيقًا في مظهره، دقيقًا في مواعيده، منظمًا في حياته، فصيحًا في بيانه، ينتقل في مجلسه بين الفقه والسيرة والتربية في سلاسة عجيبة، حتى تمر الساعات وكأنها لحظات. وقد فتح الله تعالى على يديه قلوبًا كثيرة، وكان له أثر كبير في الدعوة والتعليم.

ثم انتقلت إلى مدرسة الجالية العربية، وهناك اتسعت آفاقي العلمية أكثر. درست الأدب العربي، وحفظت المعلقات السبع، وتعلمت النحو على يد الشيخ إسماعيل، ونهلت علوم العربية والدراسات الإسلامية على يد فضيلة مفتي إريتريا السابق الشيخ الأمين عثمان الأمين رحمه الله، إلى جانب نخبة من العلماء الذين بقي فضلهم دينًا في عنقي.

ولم يكن تكويني مقتصرًا على التعليم الشرعي، بل كنت في الوقت نفسه أتابع دراستي في المدارس النظامية، حيث تلقيت تعليمي باللغتين الإنجليزية والتغرينية، وهو ما وسع مداركي، وفتح أمامي آفاقًا جديدة لفهم العالم. وفي المرحلة الإعدادية تشرفت بالدراسة في مدرسة بوتيغو، وهي مدرسة إيطالية عريقة شُيدت في زمن الوجود الإيطالي، وكانت من أجمل مدارس أسمرة وأكثرها أناقة وهيبة.

وكان يرأسها الأستاذ الفاضل عبد الرحيم محمود – أطال الله في عمره – الذي يقيم اليوم في أستراليا، فكان مديرًا تربويًا متميزًا، جمع بين الحزم والرعاية، وترك أثرًا جميلًا في نفوس طلابه. وفيها درست اللغة الإنجليزية، والرياضيات، والأحياء، والكيمياء، والفيزياء، والعلوم السياسية، وغيرها من العلوم الحديثة، فكان ذلك الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم النظامية من أعظم نعم الله عليّ، وهيأني فيما بعد للتعامل مع مجتمعات وثقافات متعددة.

كما كان للأستاذ عبدالرحيم، الذي تولى إدارة المدرسة بعد ذلك، فضل كبير عليّ؛ فقد كان قائدًا تربويًا ناجحًا، أحسن إدارة المدرسة، وشجعني كثيرًا، ومنحني من وقته واهتمامه ما كان له أثر بالغ في بناء شخصيتي.

وخارج أسوار المدارس، كانت هناك بيوت تصنع الوعي. ومن البيوت التي تركت أثرًا عميقًا في نفسي بيت الأستاذ الكبير حسن محمد عثمان حيوتي، مدير شركة الألبان، الذي كان مثالًا للمثقف الواعي. كان يؤمن بأن القراءة هي طريق النهضة، ويستقبل الشباب بمحبة، ويشجعهم على اقتناء الكتب، ويهديهم منها، ويغرس فيهم شغف المعرفة.

واليوم، وبعد هذه السنوات الطويلة، أدرك أن الإنسان لا يصنعه شيخ واحد، ولا مدرسة واحدة، ولا كتاب واحد، وإنما تصنعه منظومة كاملة من العلماء، والمعلمين، والمربين، والأسر الواعية، والبيئات الصالحة. ولهذا فإنني أشعر بامتنان عميق لكل أولئك الذين أسهموا، بقليل أو كثير، في تشكيل شخصيتي، وما هذه الصفحات إلا محاولة وفاء لهم، ودعاء صادق أن يجزيهم الله عني خير الجزاء.

وفي تلك الأيام، شاء الله سبحانه أن يزور أسمرة في مهمة علمية فضيلة الشيخ مهل بن شديد وفضيلة الشيخ محمد العمري، من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وكانت تلك الزيارة نقطة التحول الكبرى في حياتي. استمعا إلى ذلك الفتى الصغير، ثم تحدثا إلى والدي، ورغبا في ابتعاثي إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

كانت لحظات قليلة، لكنها كانت بداية رحلة عمر كاملة.

ولم أكن أعلم حينها أن الطريق إلى المدينة المنورة لن يبدأ من أسمرة، بل من أديس أبابا. ففي ذلك الوقت لم تكن إريتريا قد نالت استقلالها بعد، وكانت جوازات السفر تُستخرج من العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ولم يكن لدي جواز سفر أصلًا. وهكذا بدأت أولى خطوات الرحلة… برحلةٍ أخرى.

أما قصة أديس أبابا، واستخراج أول جواز سفر، ووداع الأهل، والرحيل إلى المدينة المنورة وأنا لم أبلغ بعد، فهي قصة تستحق أن تُروى وحدها، وستكون حديث الحلقة القادمة بإذن الله.

أ.د. فايد محمد سعيد

عضو المجلس الأوروبي للقيادات المسلمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى