تُعدّ الشريعة الإسلامية الخاتمة نسيجًا فريدًا من الأحكام والرؤى التي استهدفت منذ إشراقتها الأولى صيانة الكرامة الإنسانية، وتأسيس معالم العدل والمساواة بين البشر، بعيدًا عن المؤثرات الظرفية والأهواء البشرية. وإنّ تأمل منظومة الحقوق في الفقه الإسلامي يكشف عن سبقٍ تشريعي بصير استوعب الخصائص النفسية والاجتماعية للإنسان، وجعل المقاصد الشرعية الخمس (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) مدارًا لكل تكليف وحكم.
وفي إطار هذه الرعاية الشاملة، حظيت المرأة في الإسلام بمكانة سامية أخرجتها من ظلمات الجاهلية صورًا وأشكالًا؛ حيث كانت تُعامل – في الجاهلية وفي كثير من المجتمعات الغربية إلى وقت قريب- كجزء من التركة أو ككائنٍ منقوص الأهلية، فجاءت الشريعة لتؤكد أن النساء شقائق الرجال في الأحكام والتكاليف والكرامة الإنسانية. ومن أبز مظاهر الحماية والتوازن التي أرستها الشريعة في العلاقة الزوجية: تشريع نظام “الخلع” ليكون منفذًا شرعيًا وقانونيًا عادلًا يحمي المرأة من البقاء في عقد زواج يتحول من مصدر للمودة والرحمة إلى ساحة للضرر والمشقة النفسية.
أولاً: عظمة الشريعة الإسلامية وسبقها في حماية حقوق المرأة:
تقوم فلسفة الحقوق في الشريعة الإسلامية على مبدأ التكريم الإلهي العام للإنسان: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ من سورة الإسراء [الآية 70]. وحين يتصل الأمر بالمرأة، فإن الإسلام ينظر إلى الأسرة باعتبارها اللبنة الأساسية للمجتمع، والتي يجب أن تقوم على الاختيار الحر، والمعاشرة بالمعروف، أو الفراق بإنصاف: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.[البقرة: 229].
ومن التشريعات التي تبرز هذا السمو والعدل تشريع الخلع؛ إذ لم يجعل الإسلام عقد النكاح قيدًا أبديًا يأسِر المرأة إذا استُحيلت الحياة الزوجية أو انعدم التوافق النفسي. بل جعل للزوجة حق افتداء نفسها بإرادتها متى خشيت ألا تقيم حدود الله مع زوجها، وهو ما يجسد أعلى صور الموازنة بين الحقوق والواجبات.
ثانياً: التأصيل الشرعي للخلع وفوائده المقاصدية :
1. دليل الخلع من الكتاب والسنة:
من القرآن الكريم، قول الله تعالى:
﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ…﴾ [البقرة: 229].
من السنة النبوية، حديث امرأة ثابت بن قيس -رضي الله عنهما-؛ حيث جاءت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟»، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ –صلى الله عليه وسلم -: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (رواه البخاري).
1. فوائد الخلع وآثاره:
رفع الضرر النفسي والاجتماعي : يمنح الخلع المرأة حلاً شرعيًا ناهيًا عند انعدام التوافق والعاطفة، دون الحاجة للوقوع في الشقاق أو البغضاء.
صيانة حدود الله: يقي الخلع الطرفين من التقصير في الحقوق الزوجية الواجبة الناتجة عن الكراهية أو عدم القدرة على التعايش.
تحقيق العدل بين الطرفين: كما جعلت الشريعة للرجل حق الطلاق، جعلت للمرأة حق المخالعة بفرْض ردّ ما أخذته من مهر (أو ما يتفق عليه)، ردًا للفضل وتجنبًا للإضرار المالي بالزوج.
ثالثاً: الخلع في نظام الأحوال الشخصية السعودي وحماية حقوق المرأة:
شهدت المنظومة التشريعية في المملكة العربية السعودية تطورًا ينطلق من أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، وتجسد ذلك في إصدار نظام الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/ 73 ) وتاريخ 6/ 8/ 1443 ه وقرار مجلس الوزراء رقم (429) وتاريخ 5/ 8/ 1443 ه والمنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ /8/15 ه الذي أتى لضبط أحكام الأسرة بتقنينٍ واضح وقاطِع يضمن حقوق الجميع.
1. تنظيم الخلع في النظام السعودي:
نصّ النظام في الفصل الثالث من المادة 95 الى 102 على تنظيم مسائل الفرقة بالخلع بشكل دقيق، حيث كفل للمرأة حق طلب الخلع وفق ضوابط محددة تضمن ألا تُجبر على البقاء في عقدٍ يلحق بها الضرر، مع توثيق ذلك قضائيًا لضمان حقوقها وحقوق الأطفال إن وُجدوا.
1. التوازن بين حماية المرأة ومنع التعسف:
العدالة الوقائية: اشترط النظام تسوية العوض والالتزامات المالية بوضوح لمنع استغلال أيٍّ من الطرفين للآخر.
تقييد المبالغة في العوض: حَرَصَ النظام والفقه القضائي السعودي على ألا يكون الخلع بابًا للمواكبة التعسفية أو المغالاة المطلوبة من الزوج بما يعجز الزوجة ويُعطل حقها الشرعي في الفراق بالمعروف.
تفعيل مساعي الصلح: أوجب النظام استنفاد محاولات الصلح والتوفيق الأسري عبر مراكز متخصصة قبل إنهاء العقد بالخلع، صيانةً لكيان الأسرة من الانهيار السريع.
رابعاً: التوعية بأهمية عدم التسرع والتعسف في اتخاذ الخلع:
على الرغم من كون الخلع رخصة شرعية وحقًا مكفولاً لحماية المرأة، إلا أن الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية تدعو إلى التعامل مع هذا الحق بحكمة ورشد.
خطورة التسرع: إيقاع الخلع لأسباب طارئة أو خلافات عابرة قد يعود بالضرر الأكبر على استقرار الأسرة والأطفال.
التعسف في استخدام الحق: إن استخدام الخلع دون وجود دواعٍ حقيقية أو استبدال الحوار والحلول الأسرية باللجوء الفوري للإنهاء يُعدّ خروجًا عن المقصد الأساسي للتشريع، والذي بُني على جعل الفرقة آخر الحلول بعد استنفاد كل وسائل الإصلاح.
أهمية التأنّي والأخذ بالمعروف: إن الحفاظ على ديمومة المودة والرحمة ومحاولة معالجة التحديات الزوجية بالحكمة والتغاضي يستقيم مع الهدي النبوي والمقاصد العليا لبناء مجتمع متماسك.
• أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون – جامعة تبوك-






