بين قرارٍ يفتح أبواب الحرب، وقرارٍ يمنعها، تُختبر حقيقة القادة. فإطلاق الصواريخ قد يكون أسهل من إيقافها، أما احتواء الأزمات قبل انفجارها فهو الاختبار الذي لا ينجح فيه إلا من يملك من القوة ما يكفي، ومن الحكمة ما هو أكثر منها. وفي هذا الاختبار، قدمت المملكة العربية السعودية نموذجًا يعكس فلسفة ثابتة في إدارة الأزمات؛ فلسفة لا ترى في القوة غاية، ولا في السلام ضعفًا، بل تجعل من الردع وسيلة لحماية الاستقرار، ومن الاستقرار أساسًا لبناء الإنسان وتحقيق التنمية.
وفي اللحظة التي كان فيها العالم يترقب ضربة أمريكية وُصفت بأنها الأكبر بعد الحرب العالمية الثانية، اختارت الرياض أن تتحرك بصوت العقل لا بمنطق التصعيد، فقد جاء الاتصال الهاتفي الذي أجراه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليعيد ترتيب الحسابات في واحد من أكثر الملفات الإقليمية حساسية، ويؤكد أن المملكة تنظر إلى أمن المنطقة باعتباره مسؤولية تتجاوز حدودها الوطنية، وأن منع الحرب، متى كان ممكنًا، هو انتصار سياسي لا يقل أهمية عن الانتصار العسكري.
ولم يكن هذا الموقف استثناءً، بل امتدادًا لنهج سعودي راسخ، يقوم على أن الحكمة ليست ترددًا في اتخاذ القرار، كما أن القوة ليست اندفاعًا نحو المواجهة، فالحكمة الحقيقية هي القدرة على اختيار التوقيت المناسب؛ أن تعرف متى يكون الرد ضرورة لحماية السيادة، ومتى يكون الاحتواء هو الطريق الأقصر لحماية المنطقة من صراع لا رابح فيه.
ولهذا لم يكن في الموقف السعودي أي تناقض. المملكة التي دعت إلى التريث في توسيع دائرة المواجهة مع إيران، هي نفسها التي لم تتردد قبل أيام في تنفيذ ضربات جوية دقيقة، بالتنسيق مع القيادة المركزية الأمريكية، استهدفت مواقع لميليشيات الحشد الشعبي المدعومة من إيران داخل العراق، بعد محاولاتها عديدة لاستهداف منشآت الطاقة السعودية عبر هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة.
وهنا يتجلى الفارق بين من يستخدم القوة لإدارة الأزمات، ومن يستخدمها لصناعة الأزمات. السعودية لم تجعل الرد هدفًا بحد ذاته، وإنما وسيلة لحماية أمنها ووقف الاعتداء واستعادة التوازن. وبعد أن مارست حقها المشروع في الدفاع عن سيادتها، عادت لتدعو إلى خفض التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة، وهذه ليست ازدواجية في المواقف، بل تعبير عن نضج استراتيجي؛ لأن من يملك القدرة على الرد هو وحده الذي تكتسب دعوته إلى السلام وزنًا ومصداقية.
لقد أثبتت التجارب أن الدعوة إلى السلام لا تكون مؤثرة إذا صدرت عن دولة عاجزة عن حماية نفسها، وإنما عن دولة تمتلك أدوات القوة، ثم تختار أن تستخدمها بقدر الحاجة، لا بقدر الانفعال. فالحكمة ليست نقيض القوة، بل أعلى درجات توجيهها، والانتصار الحقيقي ليس في كسب معركة، وإنما في منع حروب كان يمكن أن تستنزف الأوطان لعقود.
وهذا النهج لم يولد مع الأزمة الراهنة، بل تؤكده محطات مفصلية في التاريخ الحديث للمنطقة. فعندما اجتاحت القوات العراقية دولة الكويت عام 1990، لم تكتفِ المملكة بالإدانة، بل احتضنت أكبر تحالف دولي لتحرير الكويت، دفاعًا عن الشرعية وسيادة الدول. وعندما طلبت مملكة البحرين في عام 2011 الدعم للحفاظ على أمنها واستقرارها، شاركت المملكة ضمن قوات درع الجزيرة انطلاقًا من مسؤوليتها تجاه أمن الخليج الجماعي. كما قادت في عام 2015 التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، استجابةً لطلب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، انطلاقًا من مبدأ حماية الأمن الإقليمي ومنع انهيار الدولة اليمنية.
ورغم اختلاف هذه المحطات في ظروفها وتفاصيلها، فإنها تكشف عن مبدأ واحد لم يتغير؛ السعودية لا تتحرك بردود الأفعال، ولا تنطلق من منطق فرض النفوذ، وإنما من معادلة واضحة: الردع عندما يُعتدى على أمنها أو على أمن محيطها، والسعي إلى الحلول السياسية متى كانت كفيلة بحماية الاستقرار.
ولعل ما يميز هذا النهج أنه لا ينظر إلى الأمن باعتباره هدفًا مستقلًا، بل باعتباره شرطًا أول لكل مشروع تنموي. فالتنمية لا تزدهر في بيئة يسودها القلق، ولا تنمو الاقتصادات في ظل احتمالات الحرب، ولا تُبنى المدن والمشروعات الكبرى بينما تُستنزف الموارد في إدارة الصراعات. ولهذا فإن حماية الاستقرار ليست مجرد خيار سياسي، بل استثمار طويل الأمد في الإنسان، وفي جودة حياته، وفي مستقبل الأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق، فإن كل جهد يُبذل لمنع اندلاع مواجهة إقليمية واسعة هو في حقيقته حماية لفرص العمل، واستقرار للأسواق، وضمان لاستمرار الاستثمارات، وصون لسلاسل الإمداد، وتمكين للابتكار، وحفظ لطمأنينة الأسر التي تخطط لمستقبل أبنائها. فالحروب لا تستهلك الذخائر وحدها، بل تستهلك سنوات من التنمية، وتؤجل أحلام الشعوب، وتبدد الموارد التي كان يمكن أن تتحول إلى مدارس، ومستشفيات، وجامعات، ومراكز أبحاث، ومشروعات تصنع مستقبلًا أكثر ازدهارًا.
ولا يمكن فصل هذا النهج عن رؤية المملكة 2030، التي جعلت الإنسان محور التنمية، والاستقرار ركيزة للازدهار، والاقتصاد المتنوع هدفًا استراتيجيًا. فكل خطوة تُسهم في حماية الأمن الإقليمي هي في الوقت ذاته حماية للمشروع التنموي السعودي، لأن التنمية لا تُبنى في ظل الفوضى، ولا يزدهر الاستثمار إلا في بيئة تنعم بالأمن والثقة.
لقد أثبتت المملكة، في أكثر من محطة، أن القيادة ليست قدرة على خوض الحروب فحسب، بل قدرة على منعها عندما يكون السلام هو الطريق الذي يحفظ المصالح ويصون الأرواح. فالدول العظيمة لا تُقاس بعدد المعارك التي خاضتها، وإنما بقدرتها على تحويل القوة إلى ردع، والردع إلى استقرار، والاستقرار إلى تنمية. وتلك هي المعادلة التي رسختها السياسة السعودية؛ قوة تحمي، وحكمة تقود، وتنمية تبني مستقبل الإنسان، ليبقى السلام خيار الأقوياء، لا ملاذ الضعفاء.





