كتاب الرأي

الإسكافي الرقمي واغتيال المنجز الثقافي

من متابعتي كراصد ولصيق بالحراك الثقافي، بحكم تجربتي المتواضعة في الصحافة الثقافية منذ عام 1996، شهدت خلالها كثيرًا من تفاصيل المشهد الثقافي المحلي ومساراته. ولذا بات من الواجب المعرفي اليوم الإدلاء بشهادة موضوعية حول التحولات الكبرى التي نعيشها.

ولعلي لا أضيف جديدًا إذا قلت إن الثقافة في المملكة العربية السعودية تشهد اليوم طورًا مذهلًا من التطور والتحديث، وحراكًا حيويًا مبهجًا وباعثًا على الفخر؛ حراكًا لا يمكن تجاوز جوهرية حدوثه، إذ يتكئ على الاستقرار والرخاء، ويتحرك بوعي وثقة تحت ظلال رؤية 2030، التي أعادت، باقتدار، مأسسة العمل الثقافي، وبث الحياة فيه، وضخ الدماء في شرايينه.

هذا الحراك الاستثنائي غيّر الملامح التقليدية للمشهد، بل إنه نقلنا من مرحلة الجهود ذات الطابع الاجتهادي والمبادرات الفردية المحدودة إلى مرحلة المنجز المؤسسي المستدام، فأصبحت الثقافة فعلًا ونمط حياة، واقعًا لا مظهرًا شعاراتيًا.

أتذكر أنني، قبل عدة سنوات، تشرفت بأن كنت ضمن إعلاميين شهدوا حدثًا عظيمًا، حيث أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، في مارس 2019، أربعة مشاريع نوعية كبرى في مدينة الرياض، بتكلفة إجمالية تبلغ 86 مليار ريال. وكان من ضمنها مشروع «الرياض آرت»، الذي يهدف إلى تحويل الرياض إلى معرض فني مفتوح يمزج بين الأصالة والمعاصرة، ويدمج الفن بالثقافة والحياة اليومية، ويتضمن تنفيذ أكثر من ألف عمل ومعلم فني، وإقامة مهرجانات ضوئية وفنية سنوية تتوزع في مختلف أرجاء المدينة.

منذ ذلك اليوم تواصل الحضور والتأسيس والنماء، ولا يزال، بفضل الله، حراكًا ثقافيًا مذهلًا ومدهشًا وغير مسبوق، لم يكن أحد منا، مهما بلغت حدود تفاؤله، يتخيل حدوثه بهذا الإيقاع المتسارع وهذه الجودة الفائقة. وكل ذلك في وقت تعاني فيه دول ومجتمعات من غياب المظاهر الثقافية وانحسار حواضنها، بينما باتت المملكة اليوم وجهة ثقافية عالمية رائدة، تبتكر نموذجًا حيًا لا أرى له مثيلًا في فضاء الإبداع المعاصر.

وإزاء هذا التغير التاريخي، كان من الطبيعي أن نقرأ هذا التحول بعين واعية ومتفتحة ومواكبة للسياق الحضاري المتجدد. إلا أننا، وللأسف، نجد فئة، عوضًا عن أن تتفاعل بإيجابية ووعي مع هذا التغير، تتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي منصات لممارسة التثبيط ومحاولة التقليل من شأن بعض المبادرات والبرامج الثقافية العديدة، لعل من أهمها: «الشريك الأدبي»، ومعتزلات الكتابة، والصندوق الثقافي، والترجمة، وغيرها. ونجدها تنكفئ على ذاتها لتمرير مواقف سلبية متدثرة بشعارات مختلفة، مثل البحث عن الأثر والجودة وغيرها.

ولا ينبغي لأحد أن يحاجج هنا بحرية التعبير، أو السعي نحو المثالية، أو قبول الرأي الآخر، أو أن ما نكتبه يعد حجرًا على الرأي وإقصاءً للآخر؛ فجميعنا نؤمن بأن النقد في الأساس أداة للتقويم والتطوير، وليس ثمة عمل يمكن وصفه بالكمال، فهذا سنن كوني، وكل الأشياء موعودة دومًا بالنقصان، إذ الكمال لوجه الله تعالى وحده.

لكن النقد الأعمى، الذي يكبر عدسته فقط على الهنات أو بعض جوانب القصور، دون النظر إلى الصورة كاملة، متجاهلًا الإيجابيات وجوانب النماء والتطور والتفرد الذي لا يدانينا فيه أو يقاربنا كثير من أعظم دول العالم، يظل نقدًا واهيًا قاصرًا، لا يسمن وعيًا ولا يغني تبصرًا ولا بصيرة.

إن المتابع المنصف يلحظ أصداء المبادرات الثقافية المتتالية، وحجم التفاعل مع الجوائز، والارتفاع المتصاعد في أعداد الفائزين، واتساع دوائر التنافس سنويًا. والمتابع المنصف يرى نجاعة الرؤية والمبادرات وشمولية أثرها، كما يرى كيف كانت بهجة الفائزين والمحتفى بهم عفوية وصادقة، ذات أثر معنوي ونفسي بالغ، وأصدق تعبيرًا عن الإنجاز.

لقد كان حريًا بمن يتصدى للتحليل والمقاربة والرصد والقراءة أن يقرأ المشهد بصدق وتجرد، دون تسطيح للمكتسبات أو استخفاف بالحقائق والأرقام الحية والمنجزات المشهودة على أرض الواقع.

إن عدم قناعة البعض بمبادرة ما، أو عدم استساغتهم لها، أو غياب حماسهم وقناعتهم الشخصية بها، لا يقلل من قيمتها وحضورها وأثرها، ولا يمنحهم، بأي حال من الأحوال، الحق المعرفي أو الأخلاقي في إطلاق أحكام قيمية إقصائية وتعميمية على مشروع وطني متكامل، لمجرد أن ذائقتهم الفردية لم تتقاطع معه، أو لأن بوصلتهم الشخصية لم تتحمس له.

عندها يتحول النقد، بوصفه قيمة مهمة للبناء والتطوير، إلى تثبيط مجرد من الغايات المعرفية، واعتماد على أسلوب الاتهام المجاني والمحاكمة الانطباعية لمشروع يعمل وينتج على أرض الواقع. وهناك فارق جوهري بين قراءة نقدية تبحث عن التكامل، وضوضاء رقمية تسعى إلى إفساد البهجة بالمبادرات الناجحة، لمجرد غياب أصحابها عن المشهد الفاعل.

هناك آراء صدعت بما لديها، وكان فيها من الوجاهة المنطقية والمعرفية ما يجعل طرحها معقولًا وقابلًا للتداول والنقاش، ولا أتصور أن ثمة من يرفضها. لكن المقصود هو الخطاب الهش الذي لا يضيف ولا يطرح فكرًا، وإنما يقدم مظهرًا استعراضيًا متهالكًا، لا يحمل رؤى ولا يضيف عمقًا، ولا يتجاوز حضوره حدود المناكفات المهدرة للوقت والجهد.

مثل هذا الناقد، الذي لا يريدك أن ترى إلا ما يراه هو، ويعد نفسه المعيار والمقياس لكل شيء، رغم محدودية رؤيته وضيق أفقه المعرفي، يذكرني بقصة الرسام الإغريقي الشهير «أبيليس» مع الإسكافي الذي انتقد بدقة طريقة رسم الحذاء في اللوحة، فتقبل الرسام ملحوظته وأصلحها. لكن الغرور والعجرفة استبدا بالإسكافي في اليوم التالي، فتجرأ على نقد رسم الساق والجسد، وهنا زجره الرسام بعبارته الشهيرة: «أيها الإسكافي، لا تتجاوز حدود النعل».

وليس الاستشهاد بهذه القصة تنقصًا أو تقليلًا من قيمة مهنة الإسكافي، وإنما دلالة على التجاوز والإشكال المعرفي الذي نناقشه؛ فحين تفتقر انتقاداتنا وملاحظاتنا القاصرة إلى الوعي الشمولي الذي يبصر الروح الكلية والبعد الحضاري والثقافي للمنجز، فإن ذلك يفضي، بلا شك، إلى ممارسة وصاية وهمية تطلق صكوك الجودة جزافًا.

وأخلص من هذا إلى أن ما يراه البعض غيابًا لـ«الأثر الفعلي» للمشاريع الثقافية التي يشهدها المجتمع بمختلف أطيافه لا يمكن اختزاله بهذه السهولة؛ فهي من التنوع والثراء بما يؤكد قوتها وتفردها وأثرها العظيم. ويكفي أننا نملك نهضة ثقافية وحضارية نباهي بها، ولدينا منتج متنامٍ ومتصل، لا منعزل، ولعل أبرز وجوهه أنه أشاع في الوطن هذا الجو الثقافي العظيم.

إننا نعيش رخاءً وفورانًا ثقافيًا مذهلين، شكّلا لنا مشهدًا ينطق لسان حاله قائلًا: مستمرون في مراكمة المنجز ومأسسة النجاح، ونستصحب في عملنا رؤية وطن منبثقة من روح هذه النهضة الوطنية العظيمة، على يقين بأن ما ينفع الناس يمكث، بينما يتلاشى زبد الادعاء على هوامش التاريخ.
أزعم أنني متابع راصد ولصيق بالحراك الثقافي، بحكم تجربتي المتواضعة في الصحافة الثقافية منذ عام 1996، شهدت خلالها كثيرًا من تفاصيل المشهد الثقافي المحلي ومساراته. ولذا بات من الواجب المعرفي اليوم الإدلاء بشهادة موضوعية حول التحولات الكبرى التي نعيشها.

ولعلي لا أضيف جديدًا إذا قلت إن الثقافة في المملكة العربية السعودية تشهد اليوم طورًا مذهلًا من التطور والتحديث، وحراكًا حيويًا مبهجًا وباعثًا على الفخر؛ حراكًا لا يمكن تجاوز جوهرية حدوثه، إذ يتكئ على الاستقرار والرخاء، ويتحرك بوعي وثقة تحت ظلال رؤية 2030، التي أعادت، باقتدار، مأسسة العمل الثقافي، وبث الحياة فيه، وضخ الدماء في شرايينه.

هذا الحراك الاستثنائي غيّر الملامح التقليدية للمشهد، بل إنه نقلنا من مرحلة الجهود ذات الطابع الاجتهادي والمبادرات الفردية المحدودة إلى مرحلة المنجز المؤسسي المستدام، فأصبحت الثقافة فعلًا ونمط حياة، واقعًا لا مظهرًا شعاراتيًا.

أتذكر أنني، قبل عدة سنوات، تشرفت بأن كنت ضمن إعلاميين شهدوا حدثًا عظيمًا، حيث أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، في مارس 2019، أربعة مشاريع نوعية كبرى في مدينة الرياض، بتكلفة إجمالية تبلغ 86 مليار ريال. وكان من ضمنها مشروع «الرياض آرت»، الذي يهدف إلى تحويل الرياض إلى معرض فني مفتوح يمزج بين الأصالة والمعاصرة، ويدمج الفن بالثقافة والحياة اليومية، ويتضمن تنفيذ أكثر من ألف عمل ومعلم فني، وإقامة مهرجانات ضوئية وفنية سنوية تتوزع في مختلف أرجاء المدينة.

منذ ذلك اليوم تواصل الحضور والتأسيس والنماء، ولا يزال، بفضل الله، حراكًا ثقافيًا مذهلًا ومدهشًا وغير مسبوق، لم يكن أحد منا، مهما بلغت حدود تفاؤله، يتخيل حدوثه بهذا الإيقاع المتسارع وهذه الجودة الفائقة. وكل ذلك في وقت تعاني فيه دول ومجتمعات من غياب المظاهر الثقافية وانحسار حواضنها، بينما باتت المملكة اليوم وجهة ثقافية عالمية رائدة، تبتكر نموذجًا حيًا لا أرى له مثيلًا في فضاء الإبداع المعاصر.

وإزاء هذا التغير التاريخي، كان من الطبيعي أن نقرأ هذا التحول بعين واعية ومتفتحة ومواكبة للسياق الحضاري المتجدد. إلا أننا، وللأسف، نجد فئة، عوضًا عن أن تتفاعل بإيجابية ووعي مع هذا التغير، تتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي منصات لممارسة التثبيط ومحاولة التقليل من شأن بعض المبادرات والبرامج الثقافية العديدة، لعل من أهمها: «الشريك الأدبي»، ومعتزلات الكتابة، والصندوق الثقافي، والترجمة، وغيرها. ونجدها تنكفئ على ذاتها لتمرير مواقف سلبية متدثرة بشعارات مختلفة، مثل البحث عن الأثر والجودة وغيرها.

ولا ينبغي لأحد أن يحاجج هنا بحرية التعبير، أو السعي نحو المثالية، أو قبول الرأي الآخر، أو أن ما نكتبه يعد حجرًا على الرأي وإقصاءً للآخر؛ فجميعنا نؤمن بأن النقد في الأساس أداة للتقويم والتطوير، وليس ثمة عمل يمكن وصفه بالكمال، فهذا سنن كوني، وكل الأشياء موعودة دومًا بالنقصان، إذ الكمال لوجه الله تعالى وحده.

لكن النقد الأعمى، الذي يكبر عدسته فقط على الهنات أو بعض جوانب القصور، دون النظر إلى الصورة كاملة، متجاهلًا الإيجابيات وجوانب النماء والتطور والتفرد الذي لا يدانينا فيه أو يقاربنا كثير من أعظم دول العالم، يظل نقدًا واهيًا قاصرًا، لا يسمن وعيًا ولا يغني تبصرًا ولا بصيرة.

إن المتابع المنصف يلحظ أصداء المبادرات الثقافية المتتالية، وحجم التفاعل مع الجوائز، والارتفاع المتصاعد في أعداد الفائزين، واتساع دوائر التنافس سنويًا. والمتابع المنصف يرى نجاعة الرؤية والمبادرات وشمولية أثرها، كما يرى كيف كانت بهجة الفائزين والمحتفى بهم عفوية وصادقة، ذات أثر معنوي ونفسي بالغ، وأصدق تعبيرًا عن الإنجاز.

لقد كان حريًا بمن يتصدى للتحليل والمقاربة والرصد والقراءة أن يقرأ المشهد بصدق وتجرد، دون تسطيح للمكتسبات أو استخفاف بالحقائق والأرقام الحية والمنجزات المشهودة على أرض الواقع.

إن عدم قناعة البعض بمبادرة ما، أو عدم استساغتهم لها، أو غياب حماسهم وقناعتهم الشخصية بها، لا يقلل من قيمتها وحضورها وأثرها، ولا يمنحهم، بأي حال من الأحوال، الحق المعرفي أو الأخلاقي في إطلاق أحكام قيمية إقصائية وتعميمية على مشروع وطني متكامل، لمجرد أن ذائقتهم الفردية لم تتقاطع معه، أو لأن بوصلتهم الشخصية لم تتحمس له.

عندها يتحول النقد، بوصفه قيمة مهمة للبناء والتطوير، إلى تثبيط مجرد من الغايات المعرفية، واعتماد على أسلوب الاتهام المجاني والمحاكمة الانطباعية لمشروع يعمل وينتج على أرض الواقع. وهناك فارق جوهري بين قراءة نقدية تبحث عن التكامل، وضوضاء رقمية تسعى إلى إفساد البهجة بالمبادرات الناجحة، لمجرد غياب أصحابها عن المشهد الفاعل.

هناك آراء صدعت بما لديها، وكان فيها من الوجاهة المنطقية والمعرفية ما يجعل طرحها معقولًا وقابلًا للتداول والنقاش، ولا أتصور أن ثمة من يرفضها. لكن المقصود هو الخطاب الهش الذي لا يضيف ولا يطرح فكرًا، وإنما يقدم مظهرًا استعراضيًا متهالكًا، لا يحمل رؤى ولا يضيف عمقًا، ولا يتجاوز حضوره حدود المناكفات المهدرة للوقت والجهد.

مثل هذا الناقد، الذي لا يريدك أن ترى إلا ما يراه هو، ويعد نفسه المعيار والمقياس لكل شيء، رغم محدودية رؤيته وضيق أفقه المعرفي، يذكرني بقصة الرسام الإغريقي الشهير «أبيليس» مع الإسكافي الذي انتقد بدقة طريقة رسم الحذاء في اللوحة، فتقبل الرسام ملحوظته وأصلحها. لكن الغرور والعجرفة استبدا بالإسكافي في اليوم التالي، فتجرأ على نقد رسم الساق والجسد، وهنا زجره الرسام بعبارته الشهيرة: «أيها الإسكافي، لا تتجاوز حدود النعل».

وليس الاستشهاد بهذه القصة تنقصًا أو تقليلًا من قيمة مهنة الإسكافي، وإنما دلالة على التجاوز والإشكال المعرفي الذي نناقشه؛ فحين تفتقر انتقاداتنا وملاحظاتنا القاصرة إلى الوعي الشمولي الذي يبصر الروح الكلية والبعد الحضاري والثقافي للمنجز، فإن ذلك يفضي، بلا شك، إلى ممارسة وصاية وهمية تطلق صكوك الجودة جزافًا.

وأخلص من هذا إلى أن ما يراه البعض غيابًا لـ«الأثر الفعلي» للمشاريع الثقافية التي يشهدها المجتمع بمختلف أطيافه لا يمكن اختزاله بهذه السهولة؛ فهي من التنوع والثراء بما يؤكد قوتها وتفردها وأثرها العظيم. ويكفي أننا نملك نهضة ثقافية وحضارية نباهي بها، ولدينا منتج متنامٍ ومتصل، لا منعزل، ولعل أبرز وجوهه أنه أشاع في الوطن هذا الجو الثقافي العظيم.

إننا نعيش رخاءً وفورانًا ثقافيًا مذهلين، شكّلا لنا مشهدًا ينطق لسان حاله قائلًا: مستمرون في مراكمة المنجز ومأسسة النجاح، ونستصحب في عملنا رؤية وطن منبثقة من روح هذه النهضة الوطنية العظيمة، على يقين بأن ما ينفع الناس يمكث، بينما يتلاشى زبد الادعاء على هوامش التاريخ.

عبدالله الحسني

أديب.. وكاتب .. ومدير تحرير جريدة الرياض يابقًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى