ثلاث تزكيات فقط كانت كافية لإيقاف الدكتور يحيى راجح الشريف عند بوابة انتخابات الاتحاد السعودي لكرة القدم. لم تكن المشكلة في مؤهله العلمي، ولم تكن في اللغة الإنجليزية التي أصبحت اليوم محل جدل واسع، ولم تكن في نقص خبرته الرياضية. الرجل لم يصل إلى مرحلة فحص كل ذلك، لأن ثلاثة أعضاء من الجمعية العمومية لم يمنحوه بطاقة العبور إلى السباق.
وهنا تبدأ القصة التي تستحق أن نتوقف عندها.
الدكتور يحيى الشريف أكاديمي متخصص في المجال الرياضي، حصل على الماجستير والدكتوراه من الولايات المتحدة بعد سنوات طويلة قضاها هناك، وعمل في جامعة الملك سعود، وله تجربة داخل منظومة كرة القدم السعودية، كما مثّل الاتحاد السعودي لكرة القدم في هيئة التعليم بالاتحاد الآسيوي لسنوات.
هذه السيرة لا تعني بالضرورة أنه أفضل مرشح لرئاسة الاتحاد، ولا تمنحه حقًا مكتسبًا في المنصب. اختيار الرئيس مسؤولية الجمعية العمومية، ومن حق أعضائها تقييم البرامج والأسماء والتصويت لمن يرونه مناسبًا. لكن المنافسة تحتاج أولًا إلى أن يصل المرشحون إلى خط البداية.
الشريف لم يصل.
شرط الحصول على ثلاث تزكيات أوقف ملفه، وهنا نوجه السؤال إلى النظام الانتخابي وإلى أعضاء الجمعية العمومية معًا: لماذا لم يستطع مرشح بهذه الخبرة الحصول على ثلاث تزكيات؟
السؤال يزداد أهمية مع معرفة أن عضو الجمعية العمومية لا يمنح تزكيته إلا لمرشح واحد. التزكية بهذا الشكل ليست مجرد توقيع يؤكد جدية المرشح، بل تصبح قرارًا انتخابيًا مبكرًا. العضو الذي يمنح تزكيته لمرشح يغلق الباب أمام تزكية مرشح آخر.
وهذا يعني أن المنافسة على أصوات الجمعية تبدأ قبل الانتخابات نفسها.
لدينا اليوم جدل حول اشتراط إتقان اللغة الإنجليزية، وحول معنى الإتقان والطريقة التي يتم بها قياسه. وهو نقاش مشروع، خصوصًا أن رئيس الاتحاد يمثل كرة القدم السعودية في اجتماعات واتحادات ومنظمات دولية تستخدم الإنجليزية في أعمالها. لكن حالة الشريف تقدم مفارقة تستحق التأمل.
مرشح درس سنوات طويلة في الولايات المتحدة، وحصل منها على درجتي الماجستير والدكتوراه، ومثّل الاتحاد السعودي في هيئة تابعة للاتحاد الآسيوي، ثم خرج من الانتخابات بسبب التزكيات قبل أن تصبح لغته أو خبرته محل اختبار حقيقي.
القضية هنا ليست الدفاع عن يحيى الشريف، وليست المطالبة بمنحه رئاسة الاتحاد. القضية تتعلق بحق المنافسة نفسها.
تجربة الانتخابات السابقة تجعل السؤال أكثر إلحاحًا. ياسر المسحل تولى رئاسة الاتحاد عام 2019، ثم حصل على فترة ثانية بالتزكية في 2023 بعد أن أصبحت قائمته الوحيدة في السباق!.
وجود قائمة واحدة لا يعني وجود مخالفة، والتزكية إجراء نظامي عندما لا توجد قوائم منافسة. لكن تكرار وصول الانتخابات إلى مرشح وحيد يجعل من المشروع أن نسأل عن الطريق الذي يسبق إعلان القائمة النهائية.
كم شخصًا كان قادرًا على الترشح ولم يدخل السباق؟
كم مرشحًا توقف بسبب التزكيات؟
كيف يقرر أعضاء الجمعية منح تزكياتهم؟
هل يختار العضو المرشح بعد دراسة برنامجه وسيرته؟
وهل من الأفضل أن يسمح النظام للعضو بتزكية أكثر من مرشح حتى تبقى أبواب المنافسة مفتوحة، ثم يترك القرار الحقيقي لصندوق الاقتراع؟
هذه الأسئلة لا تتهم الجمعية العمومية، لكنها تضع مسؤولية كبيرة أمامها. فالجمعية ليست مجرد مجموعة تصوت في نهاية الانتخابات. أعضاؤها يملكون منذ مرحلة التزكيات قدرة مؤثرة في تحديد الأسماء التي ستصل إلى الانتخابات.
وهنا يكمن الفرق.
منح التزكية لثلاثة أو أربعة مرشحين لا يعني التصويت لهم جميعًا. يمكن للعضو أن يساعد في فتح باب المنافسة أمام عدة أسماء، ولا نجعل مرحلة التأهل تحسم ما يفترض أن يحسمه الاقتراع.
كرة القدم السعودية تعيش مرحلة ضخمة. المملكة تستعد لاستضافة كأس العالم 2034، وكأس آسيا 2027 والدوري السعودي أصبح مشروعًا عالميًا، والاستثمارات في اللعبة وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. رئاسة الاتحاد في هذه المرحلة تحتاج إلى كفاءة وخبرة وقدرة على العمل الدولي وإدارة مؤسسة تحمل مسؤوليات أكبر من أي وقت مضى.
لهذا يفترض أن تكون دائرة الاختيار واسعة.
نحتاج أن نرى أكثر من برنامج. وأكثر من رؤية. وأكثر من مرشح قادر على الوقوف أمام الجمعية العمومية والدفاع عن مشروعه. ثم تختار الجمعية الأفضل.
أما أن تبدأ الانتخابات بقائمة من الأسماء وتنتهي المنافسة قبل وصول بعضها إلى صندوق الاقتراع، فذلك يستحق مراجعة هادئة لقواعد اللعبة الانتخابية نفسها.
يحيى الشريف قد لا يكون الرئيس القادم للاتحاد السعودي لكرة القدم، وقد تختار الجمعية غيره لو دخل الانتخابات، وهذا حقها الكامل.
لكن السؤال الذي يستحق أن يصل إلى كل عضو في الجمعية العمومية:
هل نزكي الخبرة والكفاءة والبرنامج الذي يخدم كرة القدم السعودية، أم نعمل بثقافة «وعدت فلان أعطيه صوتي»؟
هذه العبارة لم تأتِ من الخيال. سمعها أكثر من مرشح من أعضاء في الجمعية عندما طلب منهم التزكية. قد يكون الوفاء بالوعد قيمة محترمة في العلاقات الشخصية، لكنه في الانتخابات لا ينبغي أن يتقدم على مسؤولية الاختيار.
عضو الجمعية يشارك في اختيار من يقود كرة القدم السعودية في واحدة من أهم مراحل تاريخها، لهذا نحتاج أن تتغير ثقافة التزكية قبل أن تتغير لائحة الانتخابات. فالمنصب ليس وعدًا بين شخصين. إنه أمانة أمام وطن.

