عامكتاب الرأي

حين تتصدّر السعودية مشهد الإقليم وتعيد تشكيل ميزان القوة

في لحظة إقليمية تتزاحم فيها الأزمات وتتقاطع فيها مشاريع النفوذ، وتتعاظم فيها التهديدات العابرة للحدود، تتقدّم المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة الأكثر قدرة على صناعة الاستقرار في الشرق الأوسط. فالمشهد الإقليمي لم يعد قابلاً للقراءة بالأدوات التقليدية، ولا يمكن إدارة أزماته بمنطق ردّ الفعل أو انتظار التحولات كي تفرض مساراتها. لقد دخلت المنطقة طوراً جديداً من التعقيد، تتداخل فيه الجغرافيا بالسياسة، وتتشابك فيه مصالح القوى الدولية مع حسابات الفاعلين الإقليميين، وتتحرك فيه الجماعات المسلحة كأدوات ضغط على خرائط الدول. وفي هذا السياق المضطرب، تتقدّم السياسة الخارجية السعودية بنموذج يقوم على البراغماتية وخفض التصعيد وبناء التحالفات المرنة وربط الأمن القومي بالأمن الاقتصادي، بما يجعل المملكة لاعباً محورياً في إعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي.

شهدت السياسة الخارجية السعودية خلال العقد الأخير تحولاً بنيوياً عميقاً، انتقلت فيه من نمط الاستجابة إلى نمط الفعل الاستباقي. هذا التحول لم يكن لحظة عابرة، بل جاء نتيجة إدراك استراتيجي بأن البيئة الإقليمية لم تعد تحتمل الانتظار أو التعاطي التقليدي مع الأزمات. فالمملكة اليوم لا تكتفي بإدارة التوترات، بل تعمل على هندسة بيئة الاستقرار وصياغة معادلات تمنع الانزلاق إلى المواجهات المفتوحة، وتتيح مساحات للحلول السياسية، وتُبقي المنطقة ضمن حدود الاستقرار الممكن. ويتجلى هذا النهج في دبلوماسية نشطة تتواصل مع جميع الأطراف، وفي بناء شبكات تحالفات مرنة مع دول الخليج ومصر والأردن وتركيا وباكستان والولايات المتحدة، وفي الجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية الهادئة، وفي ربط التنمية بالأمن بما يجعل الاستقرار شرطاً للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

اتفاق مكة: هندسة الردع الجماعي
ويمثّل اتفاق مكة للدفاع المشترك محطة مفصلية في التحولات الأمنية الإقليمية، إذ أعاد صياغة مفهوم الردع الجماعي عبر إطار يجمع السعودية وتركيا وباكستان في منظومة تنسيق دفاعي متقدمة. فالعمل على إنشاء قيادة مشتركة، وتفعيل تبادل استخباري سريع، وتطوير قابلية التشغيل البيني بين الجيوش، يعكس انتقالاً سعودياً من إدارة التهديدات إلى بناء معمار أمني جديد يمنع الفراغات ويحدّ من تمدد الوكلاء المسلحين. وقد جاء الاتفاق بوصفه إعلاناً بأن أمن الإقليم لم يعد شأناً منفرداً، بل مسؤولية جماعية تقودها الرياض وتعيد عبرها ضبط ميزان القوة في المنطقة.

التحالف البحري: حماية شرايين التجارة العالمية
وفي البحر الأحمر، تتقدّم السعودية في بناء تحالف بحري واسع يهدف إلى حماية الممرات الحيوية من التهديدات غير المتكافئة، سواء تلك القادمة من الميليشيات أو من الصراعات الإقليمية المفتوحة. فالتحالف البحري ليس مجرد ترتيبات أمنية، بل هو أداة استراتيجية لإعادة تشكيل ميزان القوة في واحد من أهم شرايين التجارة العالمية. ومن خلال تعزيز القدرات الاستخبارية، وتنسيق الدوريات، وتطوير منظومات الإنذار المبكر، تعمل المملكة على ضمان أمن باب المندب والبحر الأحمر، بما يحمي أمن الطاقة العالمي ويمنح الرياض موقعاً مركزياً في هندسة أمن الممرات البحرية.

غزة: منع توسع الحرب وحماية الاستقرار الإقليمي
وتبرز أزمة غزة بوصفها مركز التوتر الأكثر حساسية، إذ تتداخل فيها الحسابات الدولية والإقليمية، وتنعكس تداعياتها على أمن المنطقة بأكملها. وقد تعاملت المملكة مع هذه الأزمة بمنهج يقوم على منع توسع الحرب عبر اتصالات مكثفة مع واشنطن والقوى الإقليمية، بهدف احتواء التوتر ومنع انتقال الصراع إلى دول الجوار. فالمملكة تدرك أن توسع الحرب سيقود المنطقة إلى مواجهة شاملة، وأن الحفاظ على الاستقرار يبدأ من تهدئة بؤرة الصراع الأولى. وفي الوقت ذاته، تؤكد الرياض مركزية القضية الفلسطينية، وتدعم المسار السياسي والإنساني، وتعمل على حماية المدنيين، وتدفع نحو حلّ عادل يعيد الحقوق إلى أصحابها ويضع حداً لدائرة العنف التي استنزفت المنطقة لعقود طويلة.

السودان: منع الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع
ويمثّل السودان أحد أكثر الملفات الإقليمية تعقيداً، ليس فقط بسبب الصراع الداخلي بين الأطراف المتحاربة، بل بسبب انعكاساته المباشرة على أمن البحر الأحمر والممرات البحرية. فالصراع السوداني يهدد شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، ويضع المنطقة أمام احتمالات توسع النزاع إلى ساحات أخرى. وقد قادت المملكة مسار جدة بوصفه الإطار الأكثر جدية لجمع الأطراف السودانية على طاولة واحدة، بهدف وقف إطلاق النار ومنع تحوّل السودان إلى ساحة صراع إقليمي، وحماية الملاحة الدولية من تداعيات الحرب. وتدرك المملكة أن أمن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، ولذلك تعمل على منع أي تهديد للممرات البحرية، سواء عبر الصراع السوداني أو عبر التوترات الإقليمية الأخرى.

اليمن: الانتقال من المواجهة إلى هندسة السلام
ويمثّل الملف اليمني نموذجاً آخر لتحول السياسة الخارجية السعودية من المواجهة إلى هندسة السلام. فبعد سنوات من العمل العسكري، انتقلت المملكة إلى مرحلة خفض التصعيد مع الحوثيين، ودعم المسار السياسي الذي يضمن وقف الهجمات على الممرات البحرية، وحماية باب المندب من محاولات الإغلاق أو التهديد، وإعادة بناء الدولة اليمنية على أسس سياسية واقتصادية مستقرة. وتدرك المملكة أن الحل السياسي لا يكتمل دون دعم اقتصادي، ولذلك تعمل على دعم الاقتصاد اليمني، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتهيئة بيئة تسمح بعودة الحياة الطبيعية، بما يجعل السلام المستدام هو الطريق الوحيد لحماية الأمن الإقليمي.

التوتر الأميركي–الإيراني: إدارة الصراع لا الانجرار إليه
وفي سياق التوتر الأميركي–الإيراني، تتعامل المملكة مع هذا الملف عبر إدارة التوتر لا الانجرار إليه. فالاتفاق السعودي–الإيراني برعاية صينية عام 2023 مثّل إطاراً مهماً لخفض التصعيد، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الإقليمية. وتعمل المملكة على منع الميليشيات المدعومة من إيران من توسيع نفوذها، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، بما يحفظ التوازن الإقليمي ويمنع تهديد أمن الخليج. كما تعتبر المملكة أن أمن الطاقة جزء من أمنها القومي، ولذلك تعمل على حماية الممرات البحرية من أي تهديد، سواء في مضيق هرمز أو باب المندب أو البحر الأحمر، بما يضمن استقرار أسواق الطاقة العالمية ويمنع أي اضطراب قد يؤثر على الاقتصاد الدولي.
رؤية 2030: التنمية بوصفها أداة قوة
وقد أدخلت رؤية 2030 بعداً جديداً في السياسة الخارجية السعودية، إذ جعلت التنمية جزءاً من الأمن القومي، وربطت بين الاستقرار الإقليمي وجذب الاستثمارات. فالمشاريع الكبرى مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية ليست مشاريع اقتصادية فحسب، بل أدوات قوة ناعمة تعزز مكانة المملكة الدولية، وتقدّم نموذجاً للتنمية في منطقة مضطربة. وتعمل المملكة على حماية سلاسل الإمداد العالمية، وضمان استقرار أسواق الطاقة، وتقديم نفسها بوصفها قوة جاذبة للاستثمارات في منطقة تعاني من الاضطرابات، بما يجعل الاقتصاد أداة نفوذ إيجابي في السياسة الخارجية.

تحالفات مرنة في بيئة دولية متغيرة
وتعتمد المملكة في سياستها الخارجية على بناء تحالفات مرنة تتغير وفقاً للظروف، وتستند إلى المصالح المشتركة، وليس إلى الاصطفافات التقليدية. فمجلس التعاون الخليجي يمثل العمق الاستراتيجي للمملكة، وتعمل الرياض على تعزيز التعاون الدفاعي والاقتصادي بين دول المجلس، بما يجعل الخليج كتلة متماسكة في مواجهة التحديات الإقليمية. كما توسّع المملكة شراكاتها مع الولايات المتحدة وفرنسا وكوريا الجنوبية والصين، بما يعزز قدرتها على حماية مصالحها في بيئة دولية متغيرة، ويمنحها هامشاً واسعاً للتحرك في ملفات الأمن والطاقة والتنمية.

ختاماً..
السياسة الخارجية السعودية أمام أزمات الإقليم ليست مجرد إدارة لحظة، بل هي استراتيجية طويلة المدى تقوم على بناء الاستقرار، وخفض المخاطر، وصياغة توازنات جديدة تعيد تعريف دور المملكة في المنطقة والعالم. وفي زمن تتسارع فيه التحولات، وتتعاظم فيه التهديدات، تبقى المملكة وبفضل الله الركيزة الأكثر ثباتاً في حماية الدولة الوطنية، وصناعة الاستقرار، وإعادة تشكيل ميزان القوة الإقليمي بما يخدم مصالحها ويعزز أمن المنطقة بأكملها.
إنَّ ما نشهده اليوم هو تجسيد لمفهوم الدولة القوية الهادئة؛ قيادة شابَّة تجمع بين الطموح والحكمة، استطاعت أنْ تحوِّل التحديات إلى فرص، وأنْ تدير التهديدات والمخاطر بحنكة ونظرة ثاقبة. ستبقى السعودية، بفضل الله، ثمَّ بفضل قيادتها الرشيدة، الثابت الوحيد في معادلة التغيير، والحصن الذي تتحطَّم عليه أوهام المتربصين، والدولة التي تصنع المستقبل ولا تنتظر أنْ يُصنع لها.
{رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَات}

اللواء ركن م. د . خالد بن شويل الغامدي

زاوية «خلف الخطوط» • متخصص في شؤون الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة والتخطيط الاستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى