
الحلقة 11
في الحلقة السابقة ألقينا الضوء على جانب مهم من حياة الأمير عبدالله الفيصل -يرحمه الله-، يتعلق بشغفه بالرياضة وممارسته لعدد من الألعاب التي جعلت منه رياضياً شاملاً؛ مارس الفروسية والسباحة والرماية والمشي والصيد، ووجد في الرياضة مساحة للمتعة والمنافسة والانضباط.
لكن الأهم من كل ذلك أن الرياضة بالنسبة إليه لم تكن مجرد هواية يمارسها في أوقات الفراغ، وإنما تجربة مبكرة كوّنت لديه إدراكاً لمعناها وأثرها في الإنسان.
لقد عرف الرياضة من داخلها قبل أن يعرفها من موقع المسؤول.
وهنا تكمن إحدى المفاتيح المهمة لفهم مشروعه الرياضي؛ فالرجل الذي نزل إلى ميدان الرياضة لاعباً وممارساً، لم يكن ينظر إلى الملعب من مقعد المتفرج، ولم يكن يرى الفريق مجرد مجموعة من اللاعبين تتنافس على الفوز. كان يرى في الرياضة وسيلة لصناعة الإنسان، وفي الفريق إطاراً يمكن أن يجمع الشباب ويوجه طاقاتهم ويصنع بينهم روحاً من الانتماء والتنافس والانضباط.
ومن هنا بدأ التحول.
فحين أخذ يتابع المشهد الرياضي في مكة المكرمة وجدة، رأى حماساً كبيراً، وفرقاً تتشكل، وجماهير تتجمع، ومواهب تبحث عن مساحة، لكنه رأى في الوقت نفسه واقعاً يفتقد التنظيم؛ ملاعب غير نظامية، مسابقات متفرقة، تحكيم يفتقر إلى الضبط، وإدارة لا تملك جهازاً متخصصاً يتولى شؤون الرياضة.
وكان السؤال الذي بدأ يتشكل في ذهنه أكبر من مباراة وأوسع من فريق:
لماذا تبقى كل هذه الطاقة الرياضية مبادرات متناثرة، بينما يمكن أن تتحول إلى مشروع منظم يخدم المجتمع؟
من هنا بدأت قصة أخرى.
• رائد حمل الرياضة من الحارة إلى الوزارة
• حين تولى الأمير عبدالله الفيصل عام 1370هـ/1950م وزارتي الداخلية والصحة معاً، كان في قلب مرحلة شديدة الحساسية من عمر الدولة السعودية الحديثة. كانت مسؤولياته الرسمية ثقيلة ومتعددة، وفي مقدمتها الأمن وإدارة شؤون الدولة الداخلية، إلى جانب مسؤوليته عن قطاع صحي كان هو الآخر في طور التأسيس.
ومع ذلك، لم تختف الرياضة من اهتمامه.
واللافت هنا أن علاقته بالرياضة لم تبدأ مع الوزارة؛ فقد سبقت ذلك بسنوات، وهو ما يجعل انتقاله من الرعاية الشخصية إلى المسؤولية الرسمية أكثر دلالة. فقد كان يحضر المباريات ويرعى الفرق ويقدم الجوائز قبل أن يصبح وزيراً، ثم وجد نفسه بعد توليه الوزارة في موقع يسمح له بأن ينقل هذا الاهتمام من دائرة المبادرات الفردية إلى دائرة التنظيم الحكومي، ينقلها من فوضى الحارة إلى تنظيم الوزارة.
وهكذا لم تكن الوزارة هي التي صنعت اهتمامه بالرياضة، وإنما كانت الرياضة هي التي دخلت معه إلى الوزارة. وهنا بالضبط تبدأ ملامح مشروع التأسيس.
• مسؤولية الدولة ومسؤولية الإنسان
قد يسأل سائل: كيف استطاع ذلك الأمير الشاب أن يحمل كل هذه المسؤوليات، فيما كانت حياته الخاصة نفسها حافلة بالاهتمامات؟
فإلى جانب العمل الرسمي، كان عبدالله الفيصل صاحب اهتمامات واسعة بالأدب والشعر والتاريخ والقراءة، وكان مجلسه اليومي مساحة مفتوحة للقاء الناس والاستماع إليهم، فضلاً عن مسؤولياته الاجتماعية والأسرية.
لكن من عرفوه عن قرب كانوا يرون في شخصيته قدرة استثنائية على جمع هذه الاهتمامات تحت مظلة واحدة “خدمة الوطن وحب الناس.”
تلك المسؤولية الحكومية التي أنيطت به كانت تكليفاً أخلاقياً ثقيلاً. فقد دخل العمل العام في سن مبكرة، حين اختاره الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- وكيلاً لنائبه في الحجاز، لينوب عنه في إدارة مجلس الوكلاء. وكانت تلك التجربة الأولى التي وضعته وجهاً لوجه أمام مسؤوليات الدولة، ومن خلالها اكتسب خبرة عملية وقيادية مبكرة، خاصة من خلال عمله إلى جانب والده الملك فيصل ومرافقته في عدد من المناسبات الرسمية، ومنها مشاركته ضمن الوفد السعودي في مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945م الذي ارتبط بتأسيس منظمة الأمم المتحدة.
ولعل أصدق ما يكشف مفهومه للمسؤولية ما رواه الأمير عبدالله الفيصل نفسه حين قال:
– كنت أرجع من عملي كل ليلة فأحاسب نفسي، وأسأل الله ألا أكون قد ظلمت أحداً أو تعديت عليه دون قصد أو علم.
ثم يستحضر رقابة الملك عبدالعزيز والملك فيصل، ويصف المسؤولية بأنها «حمل ضخم وثقيل»، وأن أي انزلاق أو هفوة فيها قد تقود الإنسان إلى غضب الله.
وهذه الكلمات مهمة في سياق مشروعه الرياضي أيضاً؛ لأنها تكشف أن الرجل كان يرى المسؤولية أمانة تستوجب التمحيص والتدقيق والخوف من الخطأ.
ولذلك لم يكن غريباً أن يتعامل مع الرياضة بالطريقة نفسها.
• من الكأس إلى المشروع
بدأ الأمير عبدالله الفيصل يكثف حضوره في المشهد الرياضي، فيحضر المباريات والمناورات الكروية، ويرعى اللقاءات، ويقدم الكؤوس والهدايا والجوائز للفرق واللاعبين.
وقد يبدو هذا للوهلة الأولى مجرد تشجيع من مسؤول كبير لشباب يمارسون كرة القدم. لكن قراءة المشهد في سياقه التاريخي تكشف شيئاً آخر.
فالرعاية كانت رسالة. حين يرى الشباب مسؤولاً كبيراً يجلس بينهم، ويتابع مبارياتهم، ويصافح الفائزين، ويكافئهم، فإن الرياضة تخرج من هامش الحياة اليومية إلى دائرة الاهتمام العام. وحين تتكرر الرعاية، وتظهر الكؤوس والجوائز، وتزداد المنافسات، تبدأ الفرق في إدراك أن هناك شيئاً جديداً يتشكل.
لم يكن عبدالله الفيصل يرعى المباراة فقط؛ كان يرعى فكرة أن للرياضة قيمة.
امتدت هذه الرعاية إلى مكة المكرمة وجدة، حيث كانت الحركة الرياضية قد قطعت خطوات مبكرة، وظهرت فرق ورؤساء ومنافسات، كما شملت فعاليات رياضية متنوعة أقامتها جهات وفرق أهلية، تضمنت الجمباز ورفع الأثقال والعدو وغيرها من الأنشطة.
وكان حضوره لهذه الفعاليات يحمل معنى يتجاوز المناسبة نفسها أن بناء الحركة الرياضية لا ينبغي أن يقوم على لعبة واحدة.
• المدرسة حيث يبدأ تأسيس اللاعب
ولعل أكثر جوانب مشروعه دلالة تلك العناية التي أولاها للرياضة المدرسية.
فهنا انتقل اهتمامه من الفرق الموجودة إلى الإنسان الذي يمكن أن يصبح لاعباً في المستقبل. فكان يشجع الطلاب على ممارسة الرياضة، ويقدم الجوائز والمكافآت، ويتعاون مع مديرية المعارف في دعم النشاط الرياضي المدرسي.
وفي عام 1371هـ رعى مباراة في كرة السلة بين فريق سلاح الطيران الملكي السعودي وفريق المدرسة النموذجية الثانوية بجدة، وانتهت بفوز المدرسة النموذجية بنتيجة 22-18، وبرز في صفوف الفريق الفائز اللاعب ياسين صالح -يرحمه الله- الذي عُرف لاحقاً حارساً لفريق الأهلي.
وهنا تتضح فلسفة أعمق.
فالرائد الذي كان يبحث عن تنظيم الفرق بشكل أفضل؛ كان يريد أيضاً قاعدة بشرية أوسع للرياضة السعودية. فالملعب يصنع المنافسة، لكن المدرسة تصنع اللاعب. والجائزة تشجع الفائز، لكن الرياضة المدرسية تصنع جيلاً كاملاً وهذه رؤية بعيدة تستحق النظر.
لم يعد السؤال: من يفوز؟
في تلك المرحلة كان يمكن لعبدالله الفيصل أن يكتفي بدور الراعي للنشاط الرياضي يحضر المباريات، يقدم الكؤوس، ويمنح الجوائز. لكنه اختار الطريق الأصعب.
كان يرى أن المشكلة ليست في غياب الحماس؛ فالحماس كان موجوداً.
وليست في غياب اللاعبين؛ فالمواهب كانت موجودة.
وليست حتى في غياب الجمهور؛ فقد كان الجمهور حاضراً.
المشكلة كانت في غياب الإطار الذي يجمع كل ذلك.
وهنا بدأت الفكرة الكبرى تتبلور: الرياضة تحتاج إلى جهاز ينظمها، ولوائح تضبطها، وملاعب تستوعبها، ومسابقات تمنحها الاستمرارية، وفرق تعرف حقوقها وواجباتها، وحكاماً يملكون قواعد واضحة، ولاعبين يجدون من يرعى موهبتهم.
وبعد عامين تقريباً من توليه الوزارة، بدأت الخطوة المؤسسية الأهم بإنشاء إدارة رياضية في الوزارة تتولى الإشراف على الحركة الرياضية والكشفية وتنظيم شؤونها، وهو ما مثل انتقالاً مهماً من مرحلة الرعاية الفردية إلى مرحلة التنظيم الرسمي. وهنا يتغير المشهد كله، فعبدالله الفيصل لم يعد مجرد أمير يحب الرياضة، ولا وزيراً يرعى المباريات. لقد بدأ يتحول إلى رجل يضع للرياضة نظاماً.
ومن هنا بدأت البذرة.
بذرة رجل أحب الرياضة ومارسها، ثم أدرك أن حب الرياضة وحده لا يكفي.
فقرر أن يمنحها تنظيماً، وأن يمنح هذا التنظيم مستقبلاً.

