كتاب الرأي

كيف يصنع الذكاء الاصطناعي إعلاميًا محترفًا ويطور مخرجات الإعلام الجديد ويبرزها؟

في الماضي كان الإعلام يعتمد على الجهد البشري وحده، وكان الوصول إلى الجمهور يحتاج إلى وقت طويل وخبرات متراكمة. اليوم دخل الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار والاستوديوهات ومنصات البودكاست، وأصبح شريكاً أساسياً في صناعة المحتوى ونشره. لم يعد مجرد أداة مساعدة، تحول إلى محرك يطور الفكرة قبل ظهورها، ويدعم حضورها بعد خروجها للنور. لم يلغي الذكاء الاصطناعي دور الإعلامي، هو رفع سقف الاحتراف وطلب منه أن يفكر أعمق وأن يسرد أصدق وأن يصل أبعد. وفي عالم تتسارع فيه المنافسة على الانتباه، أصبح واضحاً أن هذه التقنية لم تعد خياراً إضافياً، هي ضرورة لتنمية القدرات والمواهب ورفع مستوى الوعي الإعلامي.

تبدأ رحلة الصناعة من لحظة البحث عن الفكرة. يمنح الذكاء الاصطناعي الإعلامي المحترف عيناً ثالثة ترى ما لا يراه. أدوات الرصد والتحليل تقرأ تريليونات البيانات وتخبره بما يشغل الناس الآن في جدة والرياض والعالم العربي، فلا يضيع وقته في مواضيع مستهلكة، ويبدأ من حيث انتهى الآخرون بزاوية جديدة. وعند الكتابة يتحول إلى محرر صحفي مرافق، يصيغ المسودة الأولى، ويدقق اللغة، ويقترح عناوين تجذب النقر، ويترجم المحتوى إلى لغات متعددة خلال دقائق، فيتحرر الإعلامي من المهام التكرارية ويتفرغ لجوهر العمل وهو التحليل وبناء الرأي.

وفي الاستوديو تتغير المعادلة تماماً. تقنيات تحسين الصوت المدعومة بالذكاء الاصطناعي تجعل التسجيل المنزلي يبدو كأنه خرج من إذاعة كبرى، وبرامج المونتاج الذكية تحذف التلعثم والفواصل وتصنع من حلقة واحدة عشر مقاطع قصيرة تصلح لكل منصة. صار بالإمكان توليد تعليق صوتي احترافي من نص مكتوب بأصوات قريبة من الطبيعة البشرية، وإزالة الضوضاء بضغطة زر، وصناعة فيديو من مقال مطول. اليوم الإعلامي الفعلي يكمن احترافه في التعمق والاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي فائقة التطور. إذاعة مثلاً حين تطلق برنامجاً أدبيًا تستطيع أن تستخدم هذه الأدوات في اختيار المقاطع الأنسب للجمهور الشاب بناءً على تفاعلاتهم السابقة، وفي تصميم البوسترات، وفي تلخيص الحلقة لمنصات التواصل.

أما الإبراز فهو التحدي الأكبر. الخوارزميات التي تقود يوتيوب وسبوتيفاي وتيك توك لا ترفع المحتوى الأفضل تلقائياً، ترفع المحتوى الأكثر فهماً لجمهوره. وهنا يعلم الذكاء الاصطناعي الإعلامي كيف يفكر مثل المنصة. يحلل متى يكون الجمهور متصلاً، ويصيغ العنوان والوصف الذي يزيد التفاعل، ويترجم الحلقة لعشر لغات، ويرد على التعليقات المتكررة بأسلوب ذكي. تقرير صادر عن شركة برايس ووتر هاوس كوبرز توقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي بمبلغ يصل إلى 15.7 تريليون دولار بحلول عام 2030، وسيكون قطاع الإعلام والترفيه من أكثر القطاعات المستفيدة منه لقدرته على مضاعفة الإنتاج وتقليل الكلفة وزيادة الدقة.

أمثلة ذلك أصبحت واقعاً نعيشه. وكالة الأنباء الفرنسية تستخدمه لكتابة الأخبار الرياضية والمالية الروتينية، وهذا أتاح لصحفييها التفرغ للتحقيقات الاستقصائية. ومنصة وتباد تستخدمه لترشيح القصص للقراء بناءً على ذوقهم، فتحولت قصص مغمورة إلى أعمال عالمية. وعلى المستوى المحلي بدأت مؤسسات إعلامية سعودية تستخدم أدوات التوليد لتغطية الفعاليات الثقافية بسرعة وتقديم المعلومات المعقدة في قوالب سهلة ترفع من توعية الجمهور.

ولهذا أدركت رؤية السعودية 2030 أهمية تقنيات الذكاء الاصطناعي مبكراً، وجعلت من التحول الرقمي ركيزة أساسية في مسار التنمية. وتم إطلاق مبادرات وطنية كبرى كان من أبرزها إعلان عام الذكاء الاصطناعي كخطوة استراتيجية نحو المواكبة وعدم التخلف عن الركب العالمي، وبناء كوادر وطنية قادرة على توظيف هذه التقنيات في الإعلام وغيره.

الأهم أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع إعلاميًا من العدم، هو يصقل من لديه الرسالة. المصمم الذي كان يقضي يوماً كاملاً على بوستر أصبح ينتج ثلاثة أفكار في ساعة ويختار الأفضل. والمذيع الذي كان يواجه صعوبة في اللغات الأخرى أصبح يقدم محتواه مترجماً ومدبلجاً آلياً لجمهور عالمي. بهذه الطريقة ضاعف موهبته ورفع سقف الطموح وفتح مساحة أوسع للتجارب الإبداعية.

الذكاء الاصطناعي لا يصنع إعلاميًا محترفًا بالمعنى الحرفي، هو يصنع الظروف التي يولد فيها الاحتراف. يمنح أدوات بحث أسرع، وإنتاج أنظف، وانتشار أوسع، فيصبح الإعلامي مطالباً بشيء واحد أن يرتقي بفكره. الإعلام الجديد تغير شكله ومضمونه، ومن يتجاهل هذه الأدوات سيجد نفسه متأخراً لأن الجمهور اعتاد على السرعة والدقة والتخصيص. وفي النهاية تظل القصة والرسالة والقيمة الإنسانية هي الأساس، والذكاء الاصطناعي هو الجسر الذي يوصلها لأكبر عدد ممكن من الناس وبأفضل صورة ممكنة. المستقبل للإعلام الذي يجمع بين حس إنساني لا تستطيع الآلة تقليده، وتقنية ذكية لا يستطيع الإنسان الاستغناء عنها… ومن يتخلف عن مواكبة الركب والتقنيات المتطورة، سيجد نفسه خارج المسار وهو لا يشعر. في المقابل، تظل المملكة دائمًا سباقة لمواكبة التطورات التقنية والرقمية، وفي مقدمة الركب.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى